أزمة أوروبا أبعد وأعمق من «بريكسيت»

beirut News
إقتصاد
1 ديسمبر 20181 مشاهدة
أزمة أوروبا أبعد وأعمق من «بريكسيت»

يبدو أنّ المفوضية الأوروبية تعاني من مشكلات أكبر من الـ Brexit وخروج المملكة المتحدة من الاتحاد الاوروبي. هذه المشكلات قد تؤدّي الى انشقاق داخل الوحدة الأوروبية خصوصاً وأنّ إيطاليا رفضت أيّ تنقيح لخطة الإنفاق والاقتراض وتقديم أيّ تغيّرات، الأمر الذي سيؤدّي حتماً الى إجراءات جزائية تتخذها بروكسل في حقّها.
لا تُحسد إيطاليا على وضعها الحالي. مع ارتفاع الديون المستحقة بشكل كبير، هناك نموّ اقتصادي فاتر ويعدّ الأدنى منذ الفصل الثاني من العام 2015. ويبدو أنّ مشروع الميزانية الإيطالية غير متوافق مع القواعد المالية للإتّحاد الأوروبي، لا سيما وانه يبيّن أنّ إيطاليا ستواجه عجزاً في الميزانية قدره 2.4 في المئة خلال السنوات الثلاث المقبلة رغم توقعات النموّ المتفائلة من قبل الحكومة.

والسؤال الذي يطرح نفسه لماذا قرّرت المفوضية الأوروبية أن على إيطاليا أن تعدّل ميزانيّتها، والجواب واضح للغاية كون الميزانية غير متوافقة مع القواعد المالية كما سبق وذكرنا وتعني فيما تعنيه زيادة ديون ايطاليا.

وهنا تكمن المشكلات التي تواجه أوروبا بأكملها:

-1 ترك المملكة المتحدة للاتحاد الاوروبي (Brexit)

-2 تقييم ما إذا كانت ايطاليا سوف تفي بالتزاماتها المالية وما ينتج عن ذلك من اجراءات رسمية ضد الحكومة الإيطالية، الامر الذي قد يضع على المحك العملة الواحدة واستقرار العملية المالية والنقدية في الاتحاد الاوروبي، ويشكل خطراً على استقرار الاتحاد الاوروبي ومنطقة اليورو.

وبمقاربة هاتين الحادثتين قد تكون الـ Brexit مسألة ثانوية مقارنة بما يجري في ايطاليا. حسب رئيس المفوضية الأوروبية جونكر، على ايطاليا الالتزام بتعهّداتها لخفض الدين العام الضخم الذي بلغ 132 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي وهذا الالتزام يجب أن يُحترم.

ويعاكسه في هذا الرأي، رئيس الوزراء الايطالي Conte الذي يعتبر انّ الانفاق الإضافي ضروري لتعزيز الاستثمار في البلاد. وهو صاحب مقولة إنّ «التقشّف هو الطريق التي لم يعد من الممكن اتّباعها». الأمر الأكيد حتماً انّ الخلاف بين ايطاليا والمفوضية قد يؤدي الى نسف جهود الشركاء لإنجاز الاتحاد الاقتصادي والنقدي وكذلك الاتحاد المصرفي.

في الفترة الأخيرة، أقدمت مؤسسات التصنيف الإنمائي Moody›s على تخفيف درجة الائتمان في ايطاليا الى مستويات قريبة من «غير مرغوب به»، وفي ظل التوتر بين الحكومة الإيطالية والمفوضية الاوروبية قد تحذو ستاندرد اندبور S&p حذو Moody›s الامر الذي يؤدي إلى انزلاق ايطاليا في المنحدر، ويعني انّ البنك المركزي الأوروبي لم يعد يقبل بها.

هذا ما حدث في اليونان عندما انخفضت سندات الحكومة اليونانية الى المستوى غير المرغوب به الامر الذي ساهم في ضائقة اقتصادية حادة.

وايطاليا ليست في وضعية احسن، ومصارفها تعاني من مشكلات كبيرة نظراً لأنّ الأعمال والمستهلكين لم يعد في استطاعتهم الحصول على الائتمان ما يعني أنهم ينفقون اقل، الامر الذي يُبطئ عملية النموّ. كذلك دفعت ايطاليا كثيراً لإنقاذ مصارفها، وقد يكون هذا الأمر من اهم الاسباب التي جعلها من اكثر الدول مديونية في العالم.

إقتصادياً، العملية واضحة إذ إنه عندما تنفق أقل تدفع ضرائب اقل ممّا يعني انخفاض الايرادات الحكومية وتراجع قدرة روما على سداد ديونها، ونصبح معها في حلقة مفرغة يصعب معها التوقف عند حدود الدولة. وثمّة جدلٍ حول ما إذا كانت حوادث ايطاليا قد تثير أزمة ماليه كبرى.

الامر الأكيد انّ المصارف لديها الفرصة في أن تستدين من البنك المركزي بفوائد صفرية، ولكن مقابل رهن، والرهن عبارة عن سندات حكومية. إنّ تراجع تصنيف السندات الإيطالية يدفع المركزي الاوروبي الى عدم القبول بها والاستدانة بفوائد عالية تعيد الى الواجهة مشكلة خدمة الدين، الامر الذي يعني تراكمه وعدم القدرة على سداده.

الحديث اليوم عن أزمة في ايطاليا، وعن اجراءات وعقوبات سببها المباشر وجود حكومة ما زالت تتخطّى موازين القواعد المالية، وذلك بالإصرار على الانفاق الكثير وتتجاهل التحذيرات التي وجهتها المفوضية الأوروبية.

المستغرب في الوضعية هذه أنّ صنّاع السياسة الأميركيّة واسواق العالم المالية تتعامل وبهدوء تام مع ما يجرى في ايطاليا في ظلّ تفاقم أزمتها الاقتصادية. ومن المعروف انّ حجم اقتصاد ايطاليا يساوي 10 مرات اقتصاد اليونان وإذا ما فشلت ايطاليا قد يعني ذلك فشلاً لليورو وكما سيكون مكلفا للغاية لشركائها الأوروبيين. وستؤدّي الأزمة حتماً الى أزمة مصرفية مع الاسواق العالمية الاقتصادية منها والمالية.

مشكلة ايطاليا الاهم هي مصارفها وأحد المؤشرات على ضعف البنوك الايطالية هو نسبة القروض الخاملة والتي لا تزال اكثر من 10 بالمئة من ميزانيتها. وثمّة سبب آخر هو أنّ هذه البنوك لديها اكثر من 400 مليار يورو في سندات الحكومة الإيطالية، الامر الذي يؤدّي الى ما يُسمى «double loop» بين روما والمصارف.

لذلك قد يكون من الملحّ العمل على تسريع عملية النمو وزيادة الانضباط في الميزانية، وإعادة الدين العام على مسار اكثر استدامة وهذه امور ملحّة في ضوء احتمال التشديد في اسواق الائتمان العالمية. مع عملية إنهاء التيسير الكمّي الأوروبي والمنتظرة في اواخر هذه السنة، ستبدأ الفوائد بالارتفاع ومعها تزيد مخاطر خدمة الدين الاوروبي بشكل عام والإيطالي بشكل خاص. قد تكون عملية إيطاليا جرس إنذار يمتدّ الى أبعد من حدودها ليطال اوروبا بشكل عام وجميع المصارف المتداخلة في عملية الإقراض هذه.

وحسب Dornbush من معهد ماساشوستس للتكنولوجيا فإنّ ايّ أزمة قد تأخذ وقتاً أطول بكثير ممّا نعتقد ولكن تحدث بسرعة أكبر من أن نتخيّلها واستناداً الى المسار المتهوّر الذي اختارته الحكومة الإيطالية، بما أبطأ ردّة فعل الاسواق على هذه التطورات. قد يكون كلام Dornbush واقعياً وسط دراما سياسية واقتصادية ايطالية.

لكنّ المعطيات الايطالية فإما هي مناقضة لما تراه المفوضية أو انّ Dornbush متفائل اكثر ممّا نرى. ولكن حسب Claudio Borghi في البرلمان الايطالي فإنه يرى منذ الآن انعكاس هذه المعطيات على اقتصادات اسبانيا والبرتغال وحتى فرنسا ورفض السيد Borghi الخطة الألمانية من اجل مصادرة مدّخرات القطاع الخاص الإيطالي، محذّراًَ من ايّ خطوة من هذا القبيل من شأنها أن تفجّر أزمةً مصرفية وانحلالاً سريعاً لليورو.

هذه الامور تتوالى وتنعكس سلباً على الاتحاد ومستقبل اليورو، وقد تشكل ازمة مصرفية تمتدّ الى خارج ايطاليا لتطال الإتّحاد والمصارف الاوروبية.

————-
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لـ موقع بيروت نيوز بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و”الموقع” غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.

رابط مختصر