تضحية ميقاتي.. دفاع عن موقع الرئاسة الثالثة

beirut News
لبنان
2 نوفمبر 2018125 مشاهدة
تضحية ميقاتي.. دفاع عن موقع الرئاسة الثالثة
في ظل تهافت مختلف القوى والشخصيات على الحصول على مقعد في الحكومة التي كلف الرئيس سعد الحريري بتشكيلها، يحتفظ الرئيس نجيب ميقاتي بموقفه شبه الصامت، حيث لم  يلجأ كغيره من القوى السياسية إلى الضغط بهدف التوزير، وهو ممن يستحقون ذلك أكثر من سواه نظرا للنتيجة المتقدمة التي حققها في الانتخابات النيابية الأخيرة.

كثيرون يستغربون موقف الرئيس ميقاتي مما يجري، والواضح إنه يفضل سياسة “النأي بالنفس” في مختلف المجالات، على أي موقف عدا ذلك، يحدوه في موقفه رؤية صافية وعميقة للوضع اللبناني الذي، بتركيبته الديموغرافية المتنوعة، لا يحتمل الكثير من الضغط  من أجل أمور يمكن تجاوزها منعا لتفاقم الازمة، بينما هو بلد الأزمات المتتالية دون توقف.

إن ما يجري الآن يعد سابقة خطيرة في طريقة، واسلوب تشكيل الحكومة حيث بات كل الافرقاء يمارسون سياسة الابتزاز، ووضع العراقيل امام تشكيل الحكومة بعد أن اتفق أن تكون  حكومة وحدة وطنية، وليس حكومة أكثرية، مما جعل من الصعوبة التوصل إلى التشكيل بقدر ما من السهل عرقلته مهما صغر حجم المعرقل، أو ضعفت قدرته التمثيلية.

في الوقت عينه يلمس البعض أن موقع الرئاسة الثالثة مستهدف بأبعاده الوطنية، والمذهبية، وتمارس على الرئيس المكلف ضغوطات تتجاوز المنطق السياسي لحكومة وحدة هدفها الأساس جمع كل الأفرقاء في بوتقة الحكومة العتيدة حيث تحل كافة المشاكل.

مضى ما يناهز الخمسة اشهر، ولم يتمكن الرئيس سعد الحريري من تأليف الحكومة، مما جعل من الرئاسة الثالثة موضع استهداف، ولم تعد المسالة هي قدرة الرجل على التوفيق بين المتعارضات الوطنية التي سبق أن نجح بها أكثر في أكثر من دورة. واليوم، تجري المحاولات التي أظهرت موقع الرئاسة الثالثة في موقف الضعف، وفي حال من الاستهداف السلبي من قبل مختلف الأطراف والجهات.

صحيح إن تيار المستقبل قد تراجع شعبيا، وعكست ذلك نتائج الانتخابات، مما فتح الأبواب على استضعاف موقع الرئاسة الثالثة، واستهدافه، وذلك بغض النظر عن الخيارات السياسية التي انتهجها التيار والتي لم تكن مخالفة لخياراته السابقة، لا بل أكثر مرونة من السابق، واقل تصلبا في توجهه نحو بقية اخصوم المحليين والاقليميين.

الرئيس ميقاتي من جهته، لم يتأثر بتراجع تيار المستقبل، لا بل إنه لعب دورا مؤثرا في هذا التراجع حيث خاض منافسة قوية معه في الانتخابات النيابية، وحقق تقدما كبيرا ملأ خلاله فراغ الضعف الذي تسببت به اتجاهات تيار المستقبل على الساحة الطرابلسية. لكن ميقاتي يمارس اللعبة السياسية الشريفة بمنطق المنافسة البديهية في أي نظام ديمقراطي، وهو يحقق تقدما محليا في طرابلس على حساب تيار المستقبل، وهذا حق لكل عامل في السياسة. لكن ميقاتي حرص على الفصل بين المنافسة المحلية مع تيار المستقبل، وبين موقفه من الرئاسة الثالثة، فعمل على عدم حشر الرئيس سعد الحريري، والضغط عليه بتوزيره هو أو احد أعضاء كتلته، ليقينه أن للموقع رمزية لا يمكن تجاوزها، ولا التفريط بها.

معاينة صغيرة لما يجري تظهر كيف عطلت “القوات اللبنانية” برئاسة سمير جعجع، تشكيل الحكومة خمسة اشهر، وكيف كان وليد جنبلاط يمارس نفس الدور، وعندما اراد التنازل عن مقعد تجاوز رئيس الحكومة، وذهب الى قصر بعبدا. وظل التيار الوطني الحر طيلة الاشهر المتاحة له، يلعب نفس الدور من فرض شروط على رئيس الحكومة، واليوم يمارس حزب الله ما فعلته بقية الاطراف.

لا يحتاج الرئيس ميقاتي لمن يوجهه او يطلب منه اتخاذ الموقف العام الصحيح، ففي بداهة الأمور أن ميقاتي يلمس أن هناك من يريد إضعاف موقع رئاسة الحكومة كمقدمة ليصبح موقعا بدون اي رمزية وفعالية… ومن هنا يتفرد الرئيس نجيب ميقاتي بالانحياز الى موقع يمثل كل الطائفة السنية التي كانت ولاتزال تشكل الوعاء الجامع لكل الطوائف.

هذا الانحياز ينبع من حرص الرئيس ميقاتي على موقع وطني بامتياز، حفظ الصيغة اللبنانية على مدى العقود الماضية، وان ما يجري من استهداف لموقع رئاسة الحكومة ينذر بإضعاف الدولة خاصة في ظل ما يجري في المنطقة من نيران مشتعلة، بينما تشكل الطائفة ضمانة استمراره.

لذلك كله، تجاهل الرئيس ميقاتي الحقائب، وتجاوز منطق الحصص، والمحاصصة، وقبل بإيثار غير مسبوق بالتخلي عن حقه لصالح موقع الرئاسة الثالثة حفاظا على منطق التوازن الذي كرسه دستور الطائف، وانطلق في أدائه الهاديء يحدوه هم واحد، وهو الحفاظ على ما تبقى من امل لحماية البلد.

————-
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لـ موقع بيروت نيوز بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و”الموقع” غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.

رابط مختصر