“وثيقة مكة”.. تأصيل للوسطية ومشروع لشراكة حضارية

beirut news
العرب والعالم
31 مايو 20197 مشاهدة
“وثيقة مكة”.. تأصيل للوسطية ومشروع لشراكة حضارية

لم تكن مكة المكرمة خلال الأيام القليلة الفائتة مهوى أفئدة المؤمنين في العشر الأواخر من شهر رمضان، كان أيضاً قبلة زعماء وقادة العالمين العربي والإسلامي الذين التقوا في 3 قمم، خليجية وعربية وإسلامية، استضافتها المملكة العربية السعودية في جوار المسجد الحرام لتوحيد الموقف في مواجهة التدخلات والتهديدات والاختراقات والأذرع التخريبية الإقليمية، ولتوجيه رسالة قوية وحازمة إلى من يعنيهم الأمر بشأن أمن المنطقة وسلامها، وللتذكير بأولوية القضية الفلسطينية بعيداً عن المزايدات والشعبويات.

قبل ذلك، استضافت مكة المكرمة أيضاً بين 27 و30 أيار وبدعوة من رابطة العالم الإسلامي مؤتمراً عالمياً عن قيم الوسطية والاعتدال في نصوص الكتاب والسنة، شارك فيه 1200 عالم وخبير ومفكر وباحث من العالم الإسلامي من 139 دولة وخلص هذا اللقاء التاريخي إلى إعلان “وثيقة مكة المكرمة” التي تمثل دستوراً لإرساء قيم التعايش بين أتباع الأديان والثقافات والأعراق والمذاهب في البلدان الإسلامية من جهة، وتحقيق السلم والوئام بين مكونات المجتمع الإنساني كافة من جهة ثانية.

شهدت السنوات العشر الأخيرة مبادرات من مؤسسات دينية كبرى، في السعودية ومصر والمغرب ولبنان والأردن وغيرها، للتنبيه من مخاطر الإقصاء والتكفير وثقافة الكراهية والاسلاموفوبيا وإلى التأسيس النظري والأخلاقي لفكرة وممارسة الدولة الوطنية التعددية الدستورية التي تقيم نظام المواطنة والعدالة، ويتأسس عليها مجتمع الخير العالمي (كان آخرها وثيقة الأخوة الإنسانية التي وقّعها بابا الفاتيكان وشيخ الأزهر بأبو ظبي).. لكن لوثيقة مكة – فوق ذلك – أهمية اضافية تتصل بجعل قضية مواجهة الانشقاقات والصراعات التي تواجه العالم بمسميات دينية، مسؤولية عالمية مشتركة، وليست مجرد ردة فعل أو موقف مرتبط بحادثة معينة.

أنجزت المبادرات السابقة خطوات في مسار إدانة ظواهر العنف باسم الإسلام والقول بأن التطرف انشقاقاتٍ عنيفةٍ تنشر الرعب في ديار المسلمين وفي العالم على حدّ سواء، وفي مجال تأهيل المؤسسات الدينية للقيام بهذه المهمة من خلال التأهل والتأهيل والتدريب والنظر في المناهج التربوية والتعليمية، وفي ملاقاة المؤسسات الدينية الكبرى في العالم من مختلف الأديان لتأكيد الإدانة لهذه الظواهر المريعة، وأنّ الإسلام منها براء، ونسج علاقات التعاوُن في مكافحة الإرهاب في المجالين العربي والعالمي. لكن الجديد الآن في “وثيقة مكة” هو إطلاق مسار التفكير في الخيارات البديلة لاستعادة السكينة في الدين من خلال الاجتهاد في التأصيل لسردية جديدة تجعل من رفض التطرف ومنزلقاته موضع إجماع وخارج أي اختراق أو انتقاء أو تأويل، وقد نصّت الوثيقة على أن “المسلمون أجمعوا – ممثَّلِين بمرجعياتهم الدينية – أنهم جزء من هذا العالم بتفاعله الحضاري، يسعون للتواصل مع مكوناته كافة لتحقيق صالح البشرية، وتعزيز قيمها النبيلة، وبناء جسور المحبة والوئام الإنساني، والتصدي لممارسات الظلم والصدام الحضاري وسلبيات الكراهية”.

وأكدت الوثيقة أن “البشر على اختلاف مكوناتهم ينتمون إلى أصل واحد، وهم متساوون في إنسانيتهم، رافضين العبارات والشعارات العنصرية، والتنديد بدعاوى الاستعلاء البغيضة”، ورأت أن “التنوع الديني والثقافي في المجتمعات الإنسانية لا يُبرر الصراع والصدام، بل يستدعي إقامة شراكة حضارية إيجابية، وتواصلاً فاعلاً يجعل من التنوع جسراً للحوار، والتفاهم، والتعاون لمصلحة الجميع”، ودعت إلى “الحوار الحضاري بصفته أفضل السبل إلى التفاهم السويّ مع الآخر، والتعرف على المشتركات معه.. مع تأكيد أن التاريخ في ذمة أصحابه، وبراءة الأديان والفلسفات من مجازفات معتنقيها ومدعيها”.

الوثيقة وما سبقها من جهود تعيد التأكيد على أهمية أولويات عاجلة هي عناوين المرحلة؛ وتتصل باستعادة الثقة بالدين، أيّ دين، فالتطرف والارهاب شوّه سلام الأديان وخلّف اضطراباً وقلقاً لدى فئات واسعة من الجماهير، وتطلق مسار تصحيح علائق المسلمين مع العالم ومن شأن هذه الخطوة المساعدة في تجاوز ظاهرة الاسلاموفوبيا ودعوات الكراهية المنتشرة في الغرب، وهي فوق ذلك تجدد الإيمان بتجربة إنسانية وحضارية للتنوع والتعددية والعيش الإنساني الواحد.. أطلقت “وثيقة مكة” نداء للعالم والتحدي في مدى استجابته وملاقاته لصناعة عالم يسوده السلام والعدل والسكينة.

————-
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لـ موقع بيروت نيوز بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و”الموقع” غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.

رابط مختصر