“17 تشرين” من العناية الفائقة إلى الدفن

في ليلة منع التجول الأولى، جاء العسكر وفرض أمر السلطة: "انضبّوا بمنازلكم"

beirut News
لبنانمقالات وتقارير
28 مارس 20204 مشاهدة
“17 تشرين” من العناية الفائقة إلى الدفن
يوسف بزي
يوسف بزي

مصيبة “كورونا” خير على النظام اللبناني من نواح عدة. حبل خلاص غير متوقع.

ذريعة مثالية للهروب إلى الأمام. استكانة عامة ما كان أسوأ قمع لينجزها.

خمود سياسي تام يريح أهل السلطة وحكومة ظلالهم.

ملازمة البيوت والاعتصام بالصمت وهيمنة الخوف وانطفاء الفضاء العام، على نحو ما كان ليحلم به أحد من عصبة الحكم.

منع تجول لا يثير أي اعتراض.

التهاء كامل بالعارض الصحي يغطي أسوأ آلامنا الاقتصادية.

شبح الموت العمومي يطغى على الخنق المالي المتعمّد.

مخاطر الفيروس تلجم شعارات محاربة الفساد وصرخات الاعتراض.

الهلع من تفشي المرض يزيح كل شكوى من انعدام الرزق وأسباب المعيشة.

الذعر من العدوى أقوى من نقمتنا على النظام الرديء.

قلقنا البيولوجي يطفئ غضبنا السياسي.

مفعول “كورونا” سحري في إنقاذ السلطة لنفسها.

الفيروس “يشفي” لبنان من ثورته، يخلصه من انتفاضة شعبية، كانت أصلاً تعاني من ضيق تنفس واختناق وهمود.

جاء الفيروس وأودى بها إلى العناية الفائقة.

في اليوم الأول لتنفيذ منع التجول الليلي، كانت الفرصة مؤاتية للانقضاض على “أطلال الثورة”، ديكورها الكبير الخاوي والذابل في وسط بيروت شبه المهجور.

جاءت قوى أمنية، وهي تعرف أن القلة القليلة الباقية لن تقوى على المقاومة، ولن تجد سنداً ولا دعماً.

البيانات التي صدرت لاحقاً مستنكرة ما حدث، هي نفسها علامة على نهاية المقاومة، واستتباب العجز.

جاءت مجهزة بأدوات الهدم والحرق، لتنهي آخر معالم تلك الذكرى الخريفية وتحولها إلى حطام لا قيمة له.

كومة من حديد وخشب وبلاستيك.

لحظة مثالية، كي لا يكون الحدث “حدثاً”، خالياً من أي أهمية، وتقريباً في توقيت مثالي، مع رسوخ قناعة عامة أن الأمر انتهى وانقضى ومات.

في ليلة منع التجول الأولى، جاء العسكر وفرض أمر السلطة: “انضبّوا بمنازلكم”. ولا شك أنها ليلة حزينة أخرى، ليلة الفراغ والأشباح وأصحاب الهراوات الذين استفردوا بآخر العنيدين اليائسين.

بقليل من البطش وبكثير من روح الهزيمة، كان كافياً كي نرى المشهد البائس للشاب الذي لم يعرف تدبير هزيمة ثورته سوى بمحاولة إشعال نفسه. نار تطهره من كل شيء، تعقم روحه من اليأس والخسارة، تكوي جرح الهزيمة الغائر.

بالتأكيد، لا نحن ولا السلطة ولا أهل الانتفاضة التاريخية، تخيل هكذا مآل بائس كئيب، كأننا في جنازة رجل نكرة.

فيروس كورونا أنقذ السلطة وقتل أنصع ما في روح هذه الجمهورية.

————-
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لـ موقع بيروت نيوز بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و”الموقع” غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.

رابط مختصر