web analytics

فيه أيقونة للعذراء تحمل وردة حمراء.. ‘سيدة يونس’ مزار الأزقة القديمة في طرابلس

beirut News
لبنان
24 ديسمبر 20201
فيه أيقونة للعذراء تحمل وردة حمراء.. ‘سيدة يونس’ مزار الأزقة القديمة في طرابلس
كتب بشير مصطفى في “إندبندت عربية” تحت عنوان ” سيدة يونس” مزار الأزقة القديمة في طرابلس اللبنانية”: ” في آخر زقاق “التربيعة” في مدينة طرابلس اللبنانية، تستقبلك لوحة تحمل عبارة “مزار سيدة يونس”، التابع لدير البلمند الخاص بطائفة الروم الأرثوذكس.

يحجب ممر مظلم المزار عن رؤية العامة والمارة، فيما يستمر في زيارته المهتمون بالتراث العمراني وأتباع الكنيسة المشرقية في لبنان وبلاد الاغتراب. فهو ليس مجرد مجموعة من الغرف الحجرية المتلاصقة، والنقوش المحفورة على جدران الذاكرة، وإنما شاهداً على صفحة غنية من صفحات تاريخ المدينة، التي تعاقبت عليها الحقب التاريخية من الصليبية إلى المملوكية، وصولاً إلى العثمانية والعربية.

مزار الورد والبخور

منذ 40 عاماً، يتردد جوزيف ديربدروسيان على مزار العزلة والبخور. ويصوّب “حارس السيدة” تسميته بأنه “يُوَنّس” بضم الياء نسبة إلى التسمية اليونانية للقديس يوحنا، أحد تلامذة السيد المسيح، وليس يوحنا المعمدان، أو النبي يونس الذي التقمه الحوت، وظل في داخله فترة من الزمن كما يعتقد العامة من الناس.

يُعد هذا الموقع التاريخي واحداً من الأماكن الجامعة لأبناء البلاد المقيمين والمهاجرين، وشاهداً على التعددية الثقافية والدينية في النسيج الطرابلسي.

يتألف المزار من طبقتين. في الطبقة الأرضية تُحيط مجموعة من الغرف البهو الحجري، ويقودك سلم مرتفع إلى الطبقة العليا، حيث تواجه “قاعة الأيقونة”.

تحتل واجهة القاعة أيقونة “سيدة يُوَنّس”، وهي امرأة تحمل وليدها المبارك في اليد اليسرى ووردة مكرّمة في اليمنى، وتعلوها مجموعة من الصلبان الخشبية. وتغطي جدران المزار أيقونات وصوراً مشهدية مختلفة ومنتمية لسائر الطوائف المسيحية، فيما خُصص مقعد خشبي في موقع مقابل للأيقونة، يجلس عليه المصلي أو المتأمل.

يوضح ديربدروسيان، أن المزار يستقبل زواراً من كافة الطوائف والمذاهب والانتماءات الثقافية. فيما يفسح المجال ويترك الحرية المطلقة للمؤمنين بتعليق الصور والأيقونات الخاصة بهم. ويُقدم لهم البخور والشموع من أجل إشعالها واستبطان الأمنيات والتبرُّك منها لأن “لها أثر كبير في النفوس”.

يلفت ديربدروسيان إلى تعرض الأيقونة الأصلية للحريق. لكن بعد ترميمها، وضعت النسخة الأصلية والمعدلة منها في دير البلمند، فيما وضعت في مزار السيدة الطرابلسي نُسخة عنها.
الأبواب مفتوحة

يقع المزار في وسط مجموعة من الأبنية التراثية يملكها أبناء الطائفة الأرثوذكسية، الذين هجروا المدينة ولبنان، نحو آفاق الاغتراب الرحبة.

يستقبل المزار الناس في أي ساعة من ساعات النهار. أما أيام الآحاد، فتبقى أبوابه مفتوحة للجميع، ومن دون دفع أي مقابل مادي.

يدعو حارس المزار ضيوفه إلى إشعال الشموع والبخور، ويمنحهم الوقت الكافي لممارسة التأمل وإطلاق الأمنيات الذاتية الصامتة. ويتحدث ديربدروسيان عن عمله لـ “توثيق عجائب سيدة يونس التي يخبره بها الزوار، ويعطي مثالاً على ذلك حمل إحدى النساء التي تعرف عليها، وتواصلت معه لإخباره بذلك”.

يتعرف الزوار على حقبة من تاريخ المسيحية الشرقية من خلال ناسها وممتلكاتها الوقفية، التي تعود جذورها إلى الحقبة الصليبية التي تأسست فيها مواقع مسيحية كثيرة، بما فيها أجزاء من قلعة طرابلس التاريخية “حصن سان جيل”.

كما ينفتح المزار على الزائرين، يتفاعل مع جيرانه الأقربين، حيث ترسخت مكانته في ذاكرة الأجيال من الآباء الكبار إلى الأبناء الصغار. ويتراوح التفاعل بين الاهتمام به واللعب ببهوه، وتسمية أبنائهم بـ”يونس”.

مأوى المحتاج

انعكس انتشار وباء كورونا برودة على علاقات البشر، وكذلك على المزار. فقد أدت الجائحة إلى إغلاقه، وتوقفه عن استقبال السياح الأجانب والمغتربين، إلا بناء على اتصال مسبق.

واجتمعت الظروف الاقتصادية والاجتماعية والصحية لدفع ساكنيه، وآخرهم السيدة روز يوسف، إلى مغادرته. وطوال سنوات، شكل المزار مأوى للمحتاجين والمنعزلين، حيث تعاقبت عليه عديد من العائلات الفقيرة والأرامل المنقطعات وكبار السن الذين يأتون خدمةً لإيمانهم.

اليوم، يعرض ديربدروسيان استقبال أي عائلة فيه، شرط الاهتمام بنظافته والحفاظ على مكوناته. ولا يشترط أن تكون من طائفة محددة، لأن المزار تاريخياً يستقبل الناس جميعاً. ويستشهد بأنه من الطائفة الأرمنية اللاتينية، وعلى الرغم من ذلك تحتضنه “سيدة يُوَنس” صاحبة الكرامات والعجائب “لأن العدرا عدرا ولكل الناس، وهي ليست روم أو موارنة حصراً”.

سيدة التعايش

يُثير موقع المزار الحشرية عند المارة، فهو يقع في منطقة مزدحمة بالمباني التراثية، ولا يظهر منه إلى الخارج أي جزء أو مؤشر على وجوده. يحضُر في وجدان جيرانه من المسلمين والمسيحيين، وفي 15 أغسطس (آب) من كل سنة، تدُب الحياة فيه، حين يحتفل المؤمنون من كافة الطوائف بـ”عيد السيدة”.

يعود ديربدروسيان إلى عام 1982، عندما انضم للعمل مع والده في مجال المفروشات في “التربيعة”. آنذاك، كانت الحرب الأهلية تعصف بلبنان، إلا أن “مزار سيدة يُوَنّس” بقي رمزاً للتعايش داخل المجتمع الطرابلسي، الذي نأى بنفسه إلى حد ما عن العنف الطائفي.

يتمنى ديربدروسيان ترميم المواقع التراثية والحؤول دون تمدد الأبنية العشوائية، التي تهدد الهوية الثقافية الحضارية لمدينة طرابلس. ويعتقد أن المبادرات الفردية غير كافية للحفاظ على التاريخ والتراث، ذلك أن ما يقوم به رواد الاغتراب أو فاعلو الخير يسهم في الحفاظ على وجود “مزار سيدة يونس”، لكنه لن يكسر العزلة عنه في محيط تتمدد فيه فوضى العمارة.

رابط مختصر