إذا أردنا أن نقيس المسافة الزمنية بين جدة وبيروت لوجدنا أنها تُقاس بالزمن الضوئي، أي بمعنى أن القادة العرب، الذين اجتمعوا في المملكة العربية السعودية، من حيث الأجواء التصالحية التي خيّمت عليها، كانوا بعيدين جدًّا عما يحصل على الساحة اللبنانية، التي لا تزال تبحث عن “جنس الرئيس”، كمواصفات وأسماء. فالتوافق هناك يقابله تشرذم هنا. والمصالحات هناك يقابلها المزيد من الخصومات هنا. هناك ساد جوٌ من التفاهم على “عودة مظفّرة” لسوريا إلى الشرعية العربية. وهنا يختلفون على أشياء يعتبرها القادة العرب من الماضي. فالأولويات هناك غير الأولويات هنا، في حال سلّمنا جدلًا بأن لدى المسؤولين اللبنانيين أولويات باستثناء مصالحهم الخاصة والشخصية.
فلا أولوية في لبنان تعلو على أولوية الطائفة، ثم الحزب، فالمنطقة الجغرافية، وأخيرًا وليس آخرًا التبعية العمياء للخارج بكل ما فيها من مساوئ. أمّا في جدّة فتوافق العرب على أن ما أقدمت عليه المملكة العربية السعودية بانفتاحها على إيران هو مقدمة لتطورات لاحقة قد تشهدها الساحة العربية حين تنضج الظروف الطبيعية أكثر عبر تكريس الهدنة في اليمن، ومن ثم الانتقال إلى مرحلة ختم الجراح من خلال حلّ سياسي لا يزال الأطراف المعنيون قيد التحضير له بضخّ المزيد من الأجواء الإيجابية.
هذا ما يجري على الساحتين العربية والاقليمية. أمّا في لبنان فالخلافات على أشدّها حتى على ارتياد الشواطئ. فكلما اقتربت لقمة الحلول، ولو مؤقتة، إلى الزلعوم يأتي من يحول دون الوصول إلى الهدف المنشود. هذا ما حصل بالأمس القريب بين “الأخوة الأعداء”، حيث اعتقد الجميع أن “المصيبة المشتركة” قد حتّمت على الفريقين المسيحيين المفترض بهما أن يكونا الأقوى في المعادلات السياسية المحلية أن يلتقيا على فرضية “مقاومة” وصول مرشح محور “الممانعة” رئيس تيار “المردة” الوزير السابق سليمان فرنجية إلى بعبدا. لكن تبيّن أن هذا القاسم المشترك، وربما الوحيد بين “القوات اللبنانية” و”التيار الوطني الحر” لم يكن كافيًا لمحو صور الماضي من الحاضر الغائب. فبمجرد أن وصل النقاش إلى التفاصيل حتى ظهرت شياطين هذا الماضي البغيض بكل ما يحمله من مشاهد سوداوية، وأرخت بظلالها على مفاوضات، ولو غير رسمية، لم تؤدّ إلى أي نتيجة كما كان يأمل بعض حسني النيات الطيبة، ولكن البعض الآخر لم يتمكّن من نسيان مفاعيل “اتفاق معراب”، الذي سقط بالضربة القاضية ما أن نبت العشب غير الأخضر على طرقات قصر بعبدا بعدما ضمن الرئيس السابق ميشال عون الوصول إليه.
أمّا الخلافات القائمة بين محوري “الممانعة” و”المعارضة”، وهي لا تقّل شأنًا عن الخلافات المسيحية – المسيحية فحدّث ولا حرج، وذلك لما بين اللبنانيين من قواسم غير مشتركة، ولكنها ليست بالقدر الذي كان قائمًا بين المملكة العربية السعودية وإيران، وقد يكون للخلافات القائمة بين اللبنانيين بعض التأثر بما كان سائدًا بين تلك الدولتين. ومع هذا فإن ما أقدمت عليه الرياض حين قررت طي صفحة الماضي والذهاب إلى المستقبل بأقل أثقال ممكنة لقيت تجاوبًا من قبل طهران، فكان هذا التقارب بينهما.
وبهذا الاتفاق – التقارب طوت كل من السعودية وإيران صفحات سوداء من ماضيهما القريب والبعيد، وقررتا مواجهة الحاضر معًا، والتحضير لخطوات مستقبلية لا تشبه ماضيهما بشيء. أمّا في لبنان فيبدو أن لا أحد من الأطراف السياسية يريد أن ينسى الماضي وما فيه من مآسٍ وويلات، ويصرّ على أن يرسم خطوات الحاضر والمستقبل على إيقاع هذا الماضي، الذي يبقى حاضرًا في اليوميات السياسية لجميع الأطراف سواسية. وبناء عليه، يمكن القول إن لا رئيس جديدًا في القريب المنظور، وبالتالي لا حلول ممكنة للأزمات الاقتصادية والمالية المزمنة.