“الودائع الصوتية” ومنصّة العملات

صرف العملة لم يعد حصرًا بالصيارفة

إقتصاد
6 أبريل 2020wait... مشاهدة
“الودائع الصوتية” ومنصّة العملات
عصام الجردي

لا قدرة لمصرف لبنان على تسعير الدولار الأميركي والعملات الأجنبية من خلال أي آلية، ما لم تتوفر تلك العملات في تصرف مصرف لبنان. وهي ليست متوفرة.

لذلك، فكل التعاميم التي تصدر عن المصرف ومعظمها موقت، تعبّر عن حالة التخبط التي تواجه بها الحكومة الملف المالي والنقدي والاقتصادي، في غياب الرؤية والخطة.

مضطرّون لتكرار المقولة هذه لأنها حجر الرحى لتؤسس طريق إنقاذ لن يكون ميسورًا من هذه الحكومة. واستيلاد الحكومة البديلة المؤهّلة لهذه المهمّة شبه مستحيل في ظل المنظومة السياسية الحاكمة قبل انتخابات نيابية جديدة وانتخابات رئاسية. هذا ما نراه اليوم من الآخر، وقبل أن يترجّل وباء كورونا وتنقشع تداعياته على البشر والاقتصاد.

التعميمان
التعميمان 148 و149 الصادران عن مصرف لبنان لهما صفة التوأم.

لا يعمل كلاهما فرادى. الأول المتعلق بالودائع الصغيرة حتى 5 ملايين ليرة لبنانية و3 آلاف دولار أميركي أو ما يوازي بالعملات الأجنبية الأخرى، وحق أصحابها بسحبها بالليرة على سعر صرف الدولار الأميركي بسعر السوق، كان تدبيرًا لـ”التقية السياسية والاجتماعية”.

فصوت أصحاب هذه الودائع أعلى من قيمة ودائعهم. فئة المودعين المستهدفة بالتعميم (بحسب إحصاء لجنة الرقابة على المصارف شباط 2020) التي تملك ودائع بالليرة اللبنانية والعملات الأجنبية مقومة بالدولار الأميركي بواقع 3 آلاف دولار أميركي عددها 1,715,283 مليون مودع يمثلون 61.80 في المئة من المودعين. ودائعهم الإجمالية ليرة لبنانية وعملات أجنبية مقومة بالدولار الأميركي 796 مليونًا.

(452 مليونًا ليرة لبنانية، و344 مليونًا عملات أجنبية) وتبلغ نسبة ودائعهم بالليرة والعملات الأجنبية 0.50 في المئة من الودائع الإجمالية.

طالما السداد بالليرة فمصرف لبنان سيعوض المصارف فرق سعر الصرف الرسمي وفرق سعر السوق. وتعود العملات الأجنبية إلى مصرف لبنان بسعر السوق أيضًا.

الشريحة هذه لن تؤثر على سوق القطع بطلب الدولار الأميركي، لأنها ستتوجه إلى شراء المواد الغذائية ومستلزمات التعقيم التي دخلت بندًا في ميزانية الأسرة. علمًا، أن التعميم يطال ودائع زهيدة تحت 5 ملايين ليرة لبنانية وما دون 3 آلاف دولار أميركي.

وبالكاد تسدّ هذه الودائع حاجة أصحابها من السلع والغذاء.

لكن من يحدّد سعر صرف السوق الذي يمثل قاعدة للتعميم 148؟ التعميم 149.

وقد لحظ إنشاء منصّة إلكترونية من مصرف لبنان والمصارف و(الفئة أ) من الصيارفة الراغبة في التداول بالعملات.

يتم من خلالها ​الإعلان​ عن أسعار التداول بالعملات الأجنبية لاسيما الدولار الأميركي.

على أن يعود لمصرف لبنان اختيار من يرغب من تلك الفئة.

الفئة (أ) من الصيارفة هي المرخصّ لها بشحن العملات من لبنان وإليه. ويحوز ثلاثة منها، بأرجحية كبيرة لواحد منها، معظم عمليات شحن العملات.

والثلاثة لديهم مكاتب صيرفة عاملة في السوق ويؤثرون على حركة العرض والطلب. الآلية ليست واضحة بعد. لكن لنا أن نستنتج أن مصرف لبنان قد تفاهم سلفًا قبل صدور التعميم مع الأطراف الثلاثة على نسق معيّن للتسعير وبهامش يتحدّد توافقًا.

هامش التسعير أيضًا بقي غامضًا.

وهناك أكثر من سؤال.

أقرّ مصرف لبنان أن سعر السوق 2000 ليرة للدولار الأميركي بات الأساسي للتداول إلى جانب سعره الرسمي مع المصارف 1507.50 ليرة.

هل يعني أن المنصّة ستتولّى الدفاع عن سعر صرف جديد على 2000 ليرة؟ وهل هي قادرة على ذلك؟ وما هو هامش الربح لشركات الصيرفة – “الشحينة”؟ ما هو مصير نحو 400 صرّاف من الفئات الأخرى؟ ومعظمهم مرخصّ من مصرف لبنان؟ هل سيعملون من الباطن مع المنصّة، طالما لا يملكون القدرة على التحكّم بالسوق من دون الصيارفة الكبار و”الشحّينة” والمصارف؟ علمًا، أن قدرة الصيارفة الصغار على التأثير في السوق رغم امكانات المنصّة، تتوقف على مدى الثقة التي ستثبتها الأخيرة في الحفاظ على سعر صرف محدّد قابل للتغيير من عدمه.

للإشارة فقط، أن صرف العملة لم يعد حصرًا بالصيارفة. بعض تجار التجزئة يطلبون شراء العملات من زبائنهم. وتجار الجملة أيضًا. هل يستبطن تعميم المنصّة قرارًا بغلق محال الصيرفة الصغيرة وملاحقتها لتسهيل عمل المنصّة؟

تفويض وزير المال؟
ثمة سؤال آخر هيكلي يتجاوز التعميمين. لحظت مقدمة التعميم 149 أنّ حاكم مصرف لبنان استند في تعميمه إلى المادة 83 من قانون النقد والتسليف (والمادة 70 أيضًا مهمّات مصرف لبنان).

المادة 83 التي تجيز لمصرف لبنان أن يقوم مباشرة في حالات استثنائية وبالاتفاق مع وزير المالية (المال) بشراء العملات الأجنبية من الجمهور وبيعها منه. بعيدًا من التعميم 149.

هل تمّ تفعيل هذه المادة على الدوام بين حاكم مصرف لبنان وبين وزراء المال في عمليات تدخل الأخير في سوق القطع طوال 27 عامًا على تولّي رياض سلامة مسؤوليته حاكمًا للمصرف عام 1993.

وبعد تثبيت سعر الصرف منذ 1997؟ نعلم أنّ هناك تفويضًا دائمًا لحاكم مصرف لبنان قبل سلامة وقعّه أحد وزراء المال السابقين منذ نحو 40 عامًا لا يزال ساري المفعول حتى الساعة. ومن قائل أن التفويض ألغي لاحقًا من أحد وزراء المال في وقت ما من حقبة سلامة.

في كل الأحوال، المادة 83 من قانون النقد والتسليف تجعل موافقة وزير المال المسبقة على تدخل مصرف لبنان في سوق القطع شرطية.

وحين تدعو الضرورة لشراء العملات الأجنبية أو بيعها. أي أن الحكومات المتعاقبة موافقة على سياسات المصرف النقدية وتحظى بثقة مجالس النواب.

الهندسة المالية كان هدفها الأساسي من بين أخرى، توفير العملات الأجنبية لمصرف لبنان بأي ثمن.

وتلك الهندسة يجب أن تكون حظيت بالضرورة بموافقة وزير المال والحكومة السابقة في 2016 وقبول مجلس النواب.

هذا شكل سافر من أشكال اختلاط المسؤولية بين مصرف لبنان وبين وزارة المال والحكومة في السياستين المالية والنقدية.

ونحصد الآن متأخرين جدًا وزر النتائج. ودليل إلى بهتان الديموقراطية في نظام برلماني ديموقراطي يستهين بالدستور والقوانين.

خصوصًا حين يتصل الأمر بشؤون المال والنقد والموازنات. والمساءلة والمحاسبة. لهذه الأسباب وليس على وجه الحصر، ابتدعنا “الديموقراطية التوافقية”!

في زمن القلّة والعُسر، بات التنسيق قائمًا ولو بالحدّ الأدنى بين الحكومة وبين مصرف لبنان. التعيينات في مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف إلى أجل غير مسمّى.

سداد “الودائع الصوتية” لا يكفي. ومنصّة العملات الأجنبية تحتاج إلى عملات.

المصدرالمدن
رابط مختصر