معركة بين المستأجرين والمالكين في أميركا

30 أغسطس 2021
معركة بين المستأجرين والمالكين في أميركا

من المرجح أن تُستأنف عمليات الإخلاء، التي تم تأجيلها في أجزاء كثيرة من الولايات المتحدة، الآن بعد أن ألغت المحكمة العليا الأمريكية وقف الإخلاء الفيدرالي في 26 أغسطس.وأخبرت المحكمة إدارة “بايدن”، للمرة الثانية هذا الصيف، أن الكونغرس هو الوحيد الذي يمكنه أن يأذن بفرض حظر فيدرالي على عمليات الإخلاء. ومع ذلك، فإن جهود أعضاء الكونغرس لمنع عمليات الإخلاء قد باءت بالفشل، حيث كان وصول المساعدة في مجال الإيجار بطيئاً. وعلى الرغم من حملة الضغط التي شنها البيت الأبيض للحصول على 46.5 مليار دولار من المساعدات الإيجارية الطارئة للمستأجرين، لم يُنفق قادة الولايات والقادة المحليون سوى حوالي 5 مليارات دولار بحلول نهاية يوليو.

في الوقت الحالي تدين حوالي مليوني أسرة مستأجرة بأكثر من 15 مليار دولار من الإيجار، وفقاً لبنك الاحتياطي الفيدرالي في فيلادلفيا، مع تقديرات أخرى تُشير إلى أن القيمة أعلى من ذلك.الرابح الأكبر المحتمل وسط كل هذه النكسات للمستأجرين هم كبار الملاك، فعلى مدار الجائحة، رفع ملاك المجمعات السكنية الكبيرة نصيب الأسد من دعاوى الإخلاء ضد المستأجرين.وبالنظر إلى اثنتي عشرة مدينة ومقاطعة يمكن الوصول فيها إلى البيانات، ساهمت دعاوى الإخلاء في عدد صغير فقط من المباني السكنية بما يتراوح بين خُمس إلى نصف إجمالي دعاوى الإخلاء بسبب الجائحة، وفقاً لبيانات جديدة من مختبر الإخلاء في جامعة برينستون.

خارطة الإخلاء
يشير التحليل إلى الشكل والموقع المحتملين لموجة عمليات الإخلاء التي أطلقها قرار المحكمة العليا.أما في فينيكس (مقاطعة ماريكوبا)، فقد شكلت الدعاوى المتعلقة بـِ 100 عنوان فقط 21% من جميع دعاوى الإخلاء منذ 15 مارس 2020، وفقاً لبيانات جديدة من مختبر الإخلاء في جامعة برينستون. وبالنسبة لغرينفيل، ساوث كارولينا، شكلت دعاوى الإخلاء في أكبر 100 مبنى من جهة عدد الدعاوى ما نسبته 47% من جميع دعاوى الإخلاء خلال الجائحة. أما بالنسبة لبعض دعاوى الإخلاء التي كانت معلقة منذ شهور فمن الممكن أن تُعالج الآن في أي يوم.ولا يمكن أن تأخذ هذه الأرقام في الحسبان نشاط الإخلاء الإجمالي من قبل مالكي العقارات، نظراً لأن هوية مالكي المباني غالباً ما تكون محمية من قبل الشركات ذات المسؤولية المحدودة، حيث قد تمتلك شركة واحدة عدة مبانٍ تابعة لشركات وهمية مختلفة. ويستخدم الملاك الكبار بشكل روتيني تهديدات الإخلاء كوسيلة لتحصيل الإيجارات بدلاً من إخلاء المستأجرين. وكانعكاس لنشاط الإخلاء الإجمالي من قبل كبار الملاك، فإن الأرقام المتعلقة بالعقارات التي حققت أكبر عدد من دعاوى الإخلاء تكون متحفظة، وفقاً لبيتر هيبورن، أستاذ علم الاجتماع المساعد في جامعة روتجرز – نيوارك وزميل باحث في مختبر الإخلاء.وعلى حد قول “هيبورن” فإنه: “إذا نظرتم إلى أكبر 100 شركة من جهة عدد دعاوى الإخلاء في ممفيس، فسيشكل ذلك حصة كبيرة من جميع الدعاوى في المدينة تتجاوز مجرد أكبر 100 مبنى”.المناطق المرشحةتكشف البيانات المتعلقة بعمليات الإخلاء عن أنماط من اليأس المركب في الأماكن التي كافحت ضد الحلقات المفرغة؛ حيث تُشير بيانات مختبر الإخلاء الجديدة إلى دور الشركات وملاك العقارات الكبار في إدامة هذه الحلقات المفرغة.في هيوستن، على سبيل المثال، تهيمن المباني الموجودة في محفظة “فيلا سيرينا كوميونيتيز” (Villa Serena Communities) على قائمة العناوين المرتبطة بمعظم دعاوى الإخلاء. وتتركز هذه المباني في غرينزبوينت، وهي ضاحية تُلقب باسم “غانزبوينت”، نظراً لمعدلات الجريمة المرتفعة تاريخياً، حيث يحاول المطورون العقاريون تغيير علامتها التجارية لاسم “نورث هيوستن”.أما بيسكاين في سيتيفيو، وهو مجمع متواضع تابع لفيلا سيرينا ويضم 560 وحدة في منطقة “غرينزبوينت”، فهو يحتل المرتبة الثالثة من حيث عدد دعاوى الإخلاء في مقاطعتي هاريس وغالفستون، مع 136 دعوى إخلاء منذ بداية هذه الجائحة، كما تسير عقارات أخرى تابعة لفيلا سيرينا على نفس المسار، بما في ذلك (على سبيل المثال لا الحصر) بريكنريدج في سيتيفيو (7 دعاوى)، وسيرينا وودز (11 دعوى)، وكريسنت في سيتيفيو (17 دعوى)، وروكريدج سبرينغز (31 دعوى)، وروكريدج بيند (48 دعوى) ومحطة روكريدج (67 دعوى)، وأمهرست في سيتيفيو (84 دعوى).فضلاً عن ذلك، تُظهر السجلات من شركة “سمول بيزنس أدمينيستريشن” (Small Business Administration) أن الشركة التي تمتلك هذه المباني، وهي شركة “في إس سي منجمنت” (VSC Management LLC) – حصلت على مبلغ 2.7 مليون دولار من خلال برنامج حماية الراتب.ويُدير ستيف مور، الشريك المؤسس والشريك الإداري لشركة “في إس سي منجمنت”، أكثر من 6,000 وحدة في شقق فيلا سيرينا حول غرينزبوينت. وأشاد تقرير صدر عام 2017 عن فرع شبكة “سي بي إس” (CBS) المحلي بـ”مور” لجهوده في التعاون مع سلطات إنفاذ القانون للحد من الجريمة في عقاراته، حيث يعيش هو نفسه في بيسكاين في سيتيفيو، وتقدمت شركة “مور”، وفقاً لبيانات مختبر الإخلاء، بدعوى لإخلاء 18 من جيرانه خلال الأسابيع الثمانية الماضية. ولم يرد “مور” على طلبات التعليق.الأحياء الفقيرةتُسلط بيانات الإخلاء الضوء على تركيز الدعاوى القضائية على المنازل في الأحياء الفقيرة. ففي سانت لويس، شكلت دعاوى الإخلاء في 20 عنواناً فقط – العديد منها مبانٍ سكنية في ضاحية الطبقة العاملة في فلوريسان – 14% من جميع دعاوى الإخلاء بسبب الجائحة. كما توجد أنماط مماثلة في سينسيناتي، وإنديانابوليس، وفينيكس، ومحطات المترو الأخرى. كذلك رفع مجمع بروكلين 9669، وهو المجمع السكني الذي شهد أكبر عدد من دعاوى الإخلاء خلال الجائحة في مقاطعة دالاس، دعاوى لإخلاء حوالي خمس سكان المجمع (أي حوالي 225 شخصاً) منذ مارس 2020. وحتى قبل الجائحة، زعمت دعوى قضائية رفعتها مدينة دالاس ضد مالكي العقار أن المجمع يتسبب في الإزعاج من خلال التسامح مع النشاط الإجرامي.فضلاً عن ذلك، وجدت دراسة أخرى في برينستون أن كبار الملاك في بوسطن رفعوا دعاوى إخلاء بمعدل ضعفين إلى ثلاثة أضعاف معدل الملاك الصغار، وغالباً ما يكون ذلك مقابل أموال مستحقة أقل أيضاً. وفي كثير من الأحيان، يرفع ملاك العقارات دعاوى الإخلاء هذه ضمن إطار إجراءات آلية، أو حتى كاستراتيجية للوصول إلى إعفاء من الإيجار الفيدرالي الذي كان من الصعب الحصول عليه.يقول “هيبورن”: “نحن نعلم أنه في ظل الظروف العادية، يميل الملاك الأكبر حجماً إلى الإخلاء بقوة أكبر من الملاك الأصغر؛ وغالباً ما يكون ملاك العقارات الأكبر هم الذين من المرجح أن يملكوا سياسات محددة جداً، وتتبّعاً خوارزمياً صارماً لتحصيل الإيجار. حيث إن القرار بشأن ما إذا كان سيتم رفع دعوى إخلاء لم يُتخذ من قبل الأفراد الذين يديرون العقارات بنفس تواتر اتخاذ هذا القرار من قبل مقر الشركة والذي يقول إنه بمجرد أن يتخلف شخص ما عن دفع الإيجار، فإن الخطوة المناسبة التالية هي رفع دعوى إخلاء”.هبوط كبار الملاككافح ملاك العقارات من جميع المستويات أثناء الجائحة، على الأقل بالمقارنة مع معاييرهم السابقة للجائحة. حيث سعى ملاك العقارات الذين رأوا مدفوعات الإيجار تتأخر عن سداد مدفوعات المرافق أو الضرائب، للحصول على الرهن العقاري، بل وباعوا العقارات، حيث قال ما يقرب من الثلث إنهم أجّلوا عمليات الإصلاح والصيانة، بزيادة ستة أضعاف عن عام 2019. لكن الألم يظل نسبيا، ففي حين أن الملاك متوسطي الحجم (ملاك 6-19 وحدة) وكبار الملاك (أكثر من 20 وحدة) كانوا أكثر عرضة للإبلاغ عن عدم الدفع أثناء الجائحة من الملاك الصغار (1-5 وحدات)، فإن معظم الملاك الكبار لم يكونوا غارقين فيما يتعلق بجانب الدين.ووفقاً لمسح ملاك العقارات في 10 مدن، والذي أجراه المركز المشترك لدراسات الإسكان بجامعة هارفارد، قال 10% من ملاك العقارات الصغار و8% من الملاك متوسطي الحجم إنهم ما يزالون مستحقين لنصف الإيجار أو أكثر بحلول نهاية عام 2020، مقارنة بـ 3% فقط من كبار الملاك.كذلك، بالكاد عانى ملاك العقارات بسعر السوق، أولئك الذين ليس لديهم مساكن مدعومة أو ميسورة التكلفة، حيث أفاد المجلس الوطني للإسكان متعدد العائلات أن مستويات تحصيل الإيجار في المباني المدارة باحتراف تدور حول 95% من عام 2019 حتى أغسطس 2021، ولم تنخفض أبداً إلى ما دون 93% وارتفعت لتصل إلى 97%. كما وجد استطلاع هارفارد أن المزيد من الملاك منحوا تمديداً للإيجار أو تنازلوا عن الإيجار أكثر من أي وقت مضى، ولكن إذا كان هذا من بين العوامل القائمة في السوق، إلا أنه يعد عاملا محدودا.مبالغة كبيرةيُصِر قادة الصناعة الذين ينظرون إلى هذه الأرقام على أنه لا توجد موجة من عمليات الإخلاء في الأفق، على الرغم من التحذيرات الرهيبة من حدوث “تسونامي” بمجرد انهيار السد الفيدرالي النهائي. كذلك، يُظهر الاستطلاع أن نسبة الملاك في 10 مدن الذين رفعوا دعاوى إخلاء ضد مستأجر واحد على الأقل كانت في عام 2020 هي نفس النسبة لعام 2019 (15%). بالطبع، كان هناك تعليق ساري المفعول لمعظم هذا الوقت، على الرغم من تطبيقه بشكل غير متسق.في هذا السياق، قال دوغ بيبي، رئيس المجلس الوطني للإسكان متعدد العائلات: “من بين دعاوى الإخلاء التي تتم معالجتها شهرياً، تتم معالجة الغالبية العظمى منها قبل القيام بأي إجراء آخر”. حيث يمكن أن تكون إخطارات الإخلاء بمثابة تحذير يؤدي إلى التفاوض، أو حتى الوصول إلى المساعدة الحكومية. ومع ذلك، تقوم العائلات أيضاً بإخلاء شققها عندما تتلقى إخطارات دون استئناف حقوقها في المحكمة.من جانبه، يقول بوب بينغار، الرئيس والمدير التنفيذي للرابطة الوطنية للشقق السكنية، إن احتمالية حدوث موجة مد وجزر من عمليات الإخلاء مبالغ فيها، قائلاً: “إن توقعات خروج ملايين الأشخاص إلى الشوارع هذا الشهر مبالغة كبيرة”.وفي حال استمرار عمليات الإخلاء، التي ستأتي في أعقاب قرار المحكمة العليا، على نفس مسار عمليات الإخلاء التي تواصلت، بينما كان قرار الوقف ما يزال سارياً، فإنها ستقع بشكل غير متناسب على العائلات ذات البشرة السوداء والمهاجرة التي تعيش في مجمعات الشقق من الدرجة “ب” أو “ج” التي يملكها كبار الملاك. ويرى مسح هارفارد أن هذا المسار يتشكل بالفعل، حيث كان المستأجرون في الأحياء ذات الدخل المنخفض أو الأحياء ذات الأغلبية الأقلية يواجهون صعوبة أكبر في دفع الإيجار، إلا أنهم كانوا أقل عرضة للإعفاء من الإيجار.يذكر أنه يمكن لموجة عمليات الإخلاء هذه أن تفاقم أزمة الصحة العامة المستمرة؛ حيث تملك المناطق ذات معدلات الإخلاء المرتفعة معدلات تطعيم منخفضة تاريخياً. ويُشير ذلك إلى فشل حقيقي في السياسة، ففي ظل وجود إعفاءات من الإيجار تقدر بالمليارات من الدولارات، وقلة من كبار الملاك الذين يواجهون خطراً حقيقياً، فما تزال السياسة غير قادرة على ثنيهم عن رفع دعاوى الإخلاء كإجراء اعتيادي.