استمرار إقفال المصارف: أزمة داخل أزمة

إقتصاد
23 أكتوبر 2019wait... مشاهدة
استمرار إقفال المصارف: أزمة داخل أزمة
ورّطت المصارف نفسها على مدى ثلاثة عقود بالمساهمة في رسم سياسات مالية هدّامة على المدى البعيد، تحت غطاء سلطة سياسية تملك أو تشارك في ملكية بعض المصارف، أو تستفيد منها. فالأرباح السريعة التي حققتها، انطلاقاً من الاقتصاد الريعي الذي احتَمَت به، خلصت إلى تهديد اقتصاد البلاد وماليته بالانهيار. وما استبعدته امبراطورية المصارف لسنوات، هو إصابتها بشظايا الأزمات التي تصيب البلاد.

دفع الثمن
قبلت المصارف بمقايضة أهل السياسة، لتستفيد من الهندسات المالية والفوائد المرتفعة، مقابل تمويل مشاريع القوى السياسية وزعمائها. فتحولت المصارف إلى دفتر شيكات بيد السياسيين، تصرف لنفسها ولحاشيتها ما تريد، والمصارف تسجّل المبالغ المصروفة مع فوائد مرتفعة جداً. ومن حين لآخر، تطلب المصارف “حلوينة” التحالف مع السلطة السياسية، فتعطيها الأخيرة هندسة مالية عبر مصرف لبنان، من دون دفع فوائد، على اعتبار أن أموال الهندسة المالية ليست أرباحاً تجنيها المصارف جرّاء عملياتها الخاصة.

القبول جعل من المصارف حصناً منيعاً يختبىء السياسيون خلفه، فأصبحت العلاقة والمنفعة المتبادلة عبارة عن “وحدة حال”، لا تنفصل خلالها السلطة السياسية عن المصارف. فلا أحد ينكر بأن المصارف ساهمت بتخبئة و”شرعنة” أموال السياسيين المنهوبة من المال العام، وبعض المصارف شكل قناةً لإخراج تلك الأموال من لبنان. لذلك، كان استهداف التظاهرات الشعبية للمصارف أمراً مشروعاً، فلا بد لشريك السلطة أن يدفع ثمن شراكته في لعبة هدر المال العام.
الثمن الآخر الذي على المصارف دفعه اليوم، هو مشاركتها في مسرحية إخفاء الدولار من السوق، والتي غطّاها مصرف لبنان عبر قرار حاكمه رياض سلامة الذي سمح للمصارف بعدم إعطاء كميات كبيرة من الدولار للمواطنين، عن طريق سلسلة من الإجراءات التي تضيّق عملية سحب الدولار.

قلق وانتظار
العودة إلى الوراء مستحيلة. السلطة السياسية في مأزق، وتترقّب ردود فعل الشارع، الذي لم يعد تغريه أو تقنعه بعض الإصلاحات المزيفة الهادفة إلى امتصاص نقمته. ومأزق السلطة يضع المصارف في حالة قلق وانتظار لما ستؤول إليه أمور الانتفاضة الشعبية، التي تطالب بإسقاط العهد وتغيير السياسات المالية والاقتصادية. وفي ذلك المطلب، نوعٌ من إعادة تأسيس للعلاقة مع المصارف ودورها في الاقتصاد العام للبلاد. وسواء وصلت الانتفاضة إلى مرادها أم لا، فإن المصارف أصبحت معرضة في أي لحظة للهجوم الاقتصادي الاجتماعي من قِبَل الناس. كما لم يعد باستطاعة السلطة السياسية حماية المصارف بالكامل وتحييدها من دائرة التقنين أو التقشف، إرضاءً للناس. والورقة الإصلاحية، رغم أنها لا تلبي احتياجات الناس الغاضبة في الشوارع، إلا أنها مسّت بالمصارف ولو شكلياً. فالمطلوب بالدرجة الأولى هو إنزال المصارف عن عرشها، ومع الوقت، تُهدَم امبراطوريتها.

وفي أثناء انتظارها، أقفلت المصارف أبوابها منذ يوم الجمعة 18 تشرين الأول، وتجدد الإقفال يوم السبت، لتعلن جمعية المصارف أن يوم الإثنين 21 تشرين الأول هو يوم إقفال أيضاً “حرصاً على أمن العملاء والموظفين وسلامتهم، ومن أجل إزالة آثار الأضرار التي أصابت بعض المراكز والفروع المصرفية”، ليتبعه يوم الثلاثاء والأربعاء، ولتكر سبحة الإقفالات الى أن يقرر الشعب تهدئة التحركات، وهذا مرهون بما يمكن أن تقدمه السلطة من تنازلات حقيقية، إن أرادت تفادي إسقاطها في الشارع.

تبعات اقتصادية ومالية
إقفال المصارف للأسباب الأمنية “لا تأثيرات آنية له. فلا خوف على السحوبات أو التحويلات المالية ولا حتى على سعر صرف الليرة”، وفق ما يقوله الخبير الاقتصادي غازي وزني لـ”المدن”. وبحسب وزني، الأمور مرتبطة “بالتطورات التي ستحصل في الشارع. فإذا كان رد فعل المواطنين تجاه سياسات الحكومة إيجابياً، فستفتح المصارف أبوابها وتواصل عملها بشكل طبيعي. أما إذا كان رد الفعل سلبياً، فالإقفال سيستمر طويلاً، وحينها تظهر التأثيرات السلبية”.

التأثيرات لم تظهر بعد، لكن أولى البوادر السلبية في استمرار الإقفال، ستبدأ بعدم توفر الأموال في الصرافات الآلية، وبالتالي عدم تمكّن المواطنين من سحب أموالهم ورواتبهم. أيضاً “ستتعرقل عملية دفع الأموال المخصصة للاستيراد، في كافة القطاعات الاقتصادية. فهذه الأموال تُدفع عبر المصارف التي بدورها تُعتَبر ركيزة حركة الأموال في العالم”.

في المقلب الآخر، لم تفصح المصارف حتى اللحظة عن رد فعلها في حال تم المس بمكتسباتها، من خلال أي سياسة إصلاحية، مهما كانت بسيطة. وما يمكن أن تفكر به جمعية المصارف، هو أن التسليم بالمس بالمصارف، سيجر مسّاً آخر. أما عدم التعليق، أو حتى الترحيب بالقرارات الإصلاحية، سيحمل بموازاته إجراءات سياسية تعيد للمصارف ما دفعته تحت شعار الإصلاحات. وبالتالي بقاء المصارف في دائرة الرفض الشعبي والاعتراض.

المصارف اليوم في قلب الحدث، في عمق أزمة داخل أزمة. أزمة إقفال أبوابها المترافقة مع أزمة الإصلاحات المنشودة. وأوسع من ذلك، أزمة شح الدولار.
لذلك، على المصارف أن تكون شريكاً للسلطة في وضع مخرج مرضٍ للأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي دفعت الشعب إلى الانتفاض. وأي محاولة للنأي بالنفس، ستعود بآثار سلبية على المصارف.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *