مرض النعاس.. القاتل المنسي جسدّه روبرت دينيرو بأحد أجمل أدواره السينمائية

10 مارس 2020
مرض النعاس.. القاتل المنسي جسدّه روبرت دينيرو بأحد أجمل أدواره السينمائية

مرض النعاس..القاتل المنسي، جسدّه روبرت دينيرو بأحد أجمل أدواره السينمائية

أوبئة كثيرة ضربت البشرية خلال تاريخها الطويل، بعضها ظل محفورا في ذاكرة الناس لقرون مديدة، كالطاعون الأسود والجدري اللذان فتكا بملايين البشر في العصور الوسطى، وبعضها الآخر مر مرور الكرام، كمرض التهاب الدماغ السباتي (Encephalitis lethargica ) الذي يعرف أيضا بمرض النعاس، والذي تحول إلى وباء عالمي بين عامي 1916 – 1926 مخلفا وراءه مليونا إصابة، نصفها كانت قاتلة. وأغلب الظن أن طبيعة المرض وظهوره في حقبة مليئة بالكوارث ، كالحرب العالمية الأولى ووباء الأنفلونزا الاسبانية عام 1918، كل ذلك عجل في نسيانه،ويخلط غالبية الناس بينه وبين مرض النوم الذي تسببه ذبابة “تسي تسي” في أفريقيا .

مرض النعاس اختفى تماما بعد عقد العشرينات من القرن المنصرم ، لم يضرب كوباء مرة ثانية، واقتصرت الإصابات الجديدة على حالات فردية لا تتجاوز في مجموعها العشرات حول العالم .

إذن هو الوباء القاتل المنسي، حتى الأطباء لا يريدون تذكره، فهو مرض غامض تحيروا بأمره، إذ لم يستطيعوا معرفة أسبابه ولا كيفية علاجه، فهو غريب في أدواره وأطواره، يبدأ بألم في البلعوم تليه حمى وصداع وزغللة وإعياء، ثم تتطور الحالة إلى اضطراب في النوم وتشنج للعضلات، وأخيرا يدخل المريض في حالة عجيبة تشبه الغيبوبة لكنها ليست بغيبوبة! .. بالأحرى يتحول إلى تمثال، لا يتحرك بإرادته، ولا يتكلم، لكنه ليس بميت ، وإنما سجين داخل جسده، حي ميت .. وقد يستمر على هذه الحالة لأشهر وسنوات ، ومن النادر أن يشفى.

المرض بطبيعته مرتبط بالتهابات الدماغ، لكن المحير بشأنه هو أن الأطباء لم يعثروا على سبب فعلي لهذا الالتهاب، فحصوا مئات العينات المأخوذة من أدمغة المرضى ، لكنهم لم يعثروا على أية فيروسات !..لماذا إذن يلتهب الدماغ ؟! .. هذا هو السؤال الذي لم يعثروا له على إجابة .

إحدى الدراسات الحديثة التي قرأت عنها بصورة مقتضبة تقول بأن السبب وراء المرض يكمن في نوع نادر من بكتيريا معروفة تصيب البلعوم وتعرف بأسم (Streptococcus ) ، هذا النوع عثر عليه الأطباء في معظم العينات المأخوذة من المرضى، وهو يتسبب بردة فعل عنيفة من قبل جهاز المناعة لدى بعض الناس إلى درجة أن جهازهم المناعي يقوم بمهاجمة خلايا وأنسجة أجسادهم السليمة، ومنها أنسجة الدماغ طبعا، وهو الأمر الذي يقود إلى ظهور الالتهاب المسبب للمرض.

المرض لا زال من دون علاج حتى يومنا هذا . لكن في عام 1969 وقعت حادثة غريبة ومؤثرة في مستشفى بيث إبراهام في نيويورك، ففي تلك السنة قرر طبيب شاب يدعى أوليفر ساكس أن يجرب عقار جديد تم تصنيعه لمرض باركنسون على بعض مرضى إلتهاب الدماغ السباتي، وكان هؤلاء هم بعض الناجين القلائل من الوباء الذي ضرب في العشرينات، وقد مضى على وجودهم في المستشفى عشرات السنين .

العقار الجديد كان أسمه (Levodopa ) وقد أحدث ما يشبه المعجزة ، فالمرضى استعادوا وعيهم وعادوا لطبيعتهم بعد تلقي العقار. كانوا كأنهم تماثيل دبت فيها الحياة وتحركت فجأة لكن ذلك لم يدم طويلا للأسف، إذ سرعان ما انتكس جميع المرضى وعادوا إلى حالتهم الأولى، ولم تنفع جرعات الدواء معهم مرة أخرى.

وبرغم ذلك فأن قصتهم كانت مؤثرة إلى أبعد الحدود، لذا لا غرابة أن يتم تناولتها من قبل هوليوود في فيلم أسمه (Awakenings ) قدم من خلاله الممثل العالمي روبرت دينيرو أحد أجمل وأروع أدواره السينمائية .