“كورونا” ومفاجأة بشرّي: البلدة في العزل الشامل

فحوص الـPCR في مستشفى بشرّي ستشمل نسبة كبيرة من السكان

لبنان
9 أبريل 2020wait... مشاهدة
“كورونا” ومفاجأة بشرّي: البلدة في العزل الشامل
جنى الدهيبي

في وقتٍ كان يتجه فيه لبنان إلى التفاؤل بانحسار أعداد الإصابات والوفيات، جراء تفشي فيروس “كورونا”، جذبت منطقة بشري شمالًا الأنظار، ودفعت اللبنانيين إلى الريبة من مخاطر تفشي هذا الوباء القاتل على نحو أوسع من المتوقع، وبات السؤال الأكثر شيوعًا: هل أصبحت بشري بؤرةً لـ”كورونا” في لبنان؟

هذا السؤال، جاء على خلفية تسجيل المنطقة لـ47 إصابة بالفيروس، والرقم مرشح للتصاعد، من بينها 24 إصابة كشفتها فحوص الـ PCR في غضون 24 ساعة فقط. واقع بشري، استدعى أولًا زيارة وزير الصحة حمد حسن مع فريق طبي يوم الأربعاء. كما استدعى توضيحًا من نائبتها ستريدا جعجع، بعد تداول معلومات صحافية عن رفض حزب القوات اللبنانية طلب وزير الصحة عزل المنطقة بالكامل عن جوارها. وفي بيان جعجع، أكدت أنه تم الاتفاق على عزل المدينة عن باقي قرى بشري، “بهدف منع الفيروس من التمدّد”، وأنهم امتنعوا عن إعلان ذلك في البدء، “حفاظًا على مشاعر أهل البلدة”.

لكن، كيف يبدو واقع بشري؟
تفشي فيروس “كورونا” في بشري بدأ قبل أسابيع، مع إعلان إصابة الدكتور يوسف طوق، العامل في طوارئ مستشفى بشري الحكومي. سبقته حالتين في بشري، ثمّ انتقلت عدوى الإصابة إلى طبيبةٍ أخرى نقلت العدوى لزوجها، وممرّضتين وأفراد آخرين من الطاقم الطبي وثلاثة عاملين في المستشفى، جرى عزلهم جميعًا. كما تبين لاحقًا أن معظم الإصابات المسجلة محصورة في مبنيين سكنيين.

يعتبر رئيس بلدية بشري فريدي كيروز، أنّ السجال الناتج عن عزل البلدة ليس في مكانه، لأنّ “بشري في الأساس معزولة منذ تفشي الفيروس. وكل الإجراءات مشددة على حواجز المدينة، فلا يدخلها أحد ولا يخرج منها إلا للضرورة القصوى”.

كيروز الذي يتحدى مستشفى آخر في لبنان يعمل على غرار عمل مستشفى بشري الحكومي في هذه الأزمة، أشار لـ “المدن” أنّه بسبب ضيق المساحات في بيوت هذه المنطقة الجبلية، وأغلب سكانها من المسنين، تستقبل مستشفى مار ماما 22 حالة لحجرها، وأخذت البلدية فندقين في منطقة الأرز، ليكونا مكانًا للحجر المنزلي، وقدرتهما على الاستيعاب هي نحو 120 مصابًا، مخصصين فقط لأهالي بشري.

مسح شامل
وخلال زيارته لمستشفى مار ماما في بشري، أكد وزير الصحة أنّ عمل خلية الأزمة في البلدة، “علمي ودقيق والحالات التي تظهر إشارة ايجابية لحسن العمل والأداء”. ورأى أن أرقام الحالات المثبتة ليست مخيفة، لكنّ المهم المتابعة في سير العمل والاجراءات المطلوبة، معتبرًا أنّ ما تشهده بشري هي عملية محاصرة للفيروس وحماية لمجتمعها. ومن بلدية بشري التي زارها، قال حسن: “إن الاجراءات المتخذة من قبل البلدية موقع ترحيب وتشجيع”، مع ضرورة “التصريح عن كل حالة إصابة بالفيروس”، داعيًا المؤسسات الاستشفائية “الإعلان عن الحالات الإيجابية”، لأن “عدم الاعلان هو مخالفة للقانون”.

وفي سياقٍ آخر، يعتبر كيروز أنّه منذ ظهور أول إصابة في بشري بـ 24 آذار الفائت، نفذت البلدية بالتعاون مع مستشفى بشري، خطة إدارة مسح شامل لكل المصابين وعائلاتهم ومن اختلطوا بهم، وأجروا جميعًا فحوص الـ PCR، وكان لافتًا أنّ معظمهم لم يكن يعاني من عوارض إصابته بالفيروس. أما من ظهرت نتائجهم سلبية، فهم لا يزالون خاضعين للحجر المنزلي. وتابع: “حتى الآن، أجرت المستشفى فحوصاً لأكثر من 200 شخص من بين نحو 5 آلاف مقيم، وهي نسبة عالية جدًا مقارنة مع نحو 10 آلاف فحص فقط في كلّ لبنان، لأكثر من 5 مليون نسمة”.

ما قاله كيروز، يؤكد عليه رئيس مجلس الإدارة في مستشفى بشري الحكومي، الدكتور أنطوان جعجع، وأشار لـ”المدن” أنّ المستشفى كوّنت خلية أزمة لملاحقة المصابين بالفيروس وكل من يدور في فلكهم، “لأن نسبة كبيرة من أهالي بشري هم من المسنين، ونخشى من انتقال العدوى إليهم لا سيما أنّ معظم الإصابات لم تظهر عليها أيّ عوارض”.

يعتبر جعجع أنّ تطمينات وزارة الصحة يجب أن تدفع الناس أكثر للإلتزام بمنازلهم، وأنّ إجراءاتها مع وزارة الداخلية كانت في مكانها. وقال: “لا يجب أن نخاف من الأعداد. ولكن يجب أن نخاف من ارتفاع عدّاد الموتى، لأن هذا الفيروس هو مثل الرشح، ومشكلته أنه قاتل”.

ومن اجراءات عملية المسح في بشري، وفق جعجع، هي إجراء فحوص الـ PCR لجميع سكان كل شارع يسكن فيه أحد المصابين، وإقناعهم بالقبول حتّى لمن لا تظهر عليهم العوارض. ويرى جعجع، بحكم تجربته في مستشفى بشري الحكومي، أن الوقت وحده كفيل بتقييم الإجراءات. لكنّ الأكيد، هو “أن ما نفعله، لا يوجد أي مستشفى آخر يقوم به بشهادة الجميع. ونتابع يوميًا أكثر من 700 فرد، وكل يوم يُضاف إليهم نحو 50 فردًا، تجري ملاحقتهم جميعًا”. أضاف: “ما حصل هو طبيعي ومتوقع، ولولا الاتصال بالحالات المشتبه بها بناء على داتا دقيقة، لما كانت الأغلبية الساحقة قد أجرت فحص PCR من الأساس، ولما كان العدد ارتفع”.

ليست بؤرة “كورونا”
هل يعني ذلك أنّ تضاؤل أعداد الفحوص في لبنان لا يعكس العدد الفعلي للإصابات وواقع تفشي الوباء؟ أجاب جعجع: “بالطبع نحتاج لعدد أكبر من الفحوص، حتى نقيّم وضعنا بشكل أدق على مستوى تفشي الفيروس في لبنان، والوزير يتجه لذلك. لكن هذه الخطوة تحتاج لتكاليف باهظة ماليًا، والوزارة تعمل كل ما في وسعها. وإذا كانت تريد زيادة عدد الفحوص، فذلك أفضل حتمًا حتى نحمي المسنين ونتفادى ارتفاع عداد الموت”.

يرفض جعجع رفضًا قاطعًا وصف بشري بـ “بؤرة تفشي فيروس كورونا” في لبنان. قال: “من يطلق هذا التعبير لا يعرف شيئًا في الطب، وهي لغايات شعبوية تزيد الهلع وقد تكون لتسييس الأمور من دون أيّ معطى علمي”. ومن هنا حتى ثلاثة أسابيع كحد أقصى، “نكون قد أنهينا عملية المسح وتبيّن واقع تفشي الفيروس في بشري بشكلٍ علمي دقيق. والعبرة بتجنب وقوع الوفيات، على أن تبقى بشري تحت الرقابة”.

في بيانها يوم الأربعاء عن عزل بشري، ذهبت النائبة ستريدا جعجع للسياسة وقالت: “لم نكن نتصوّر بأنّ أخصامنا السياسيين سيصلون إلى هذه الدرجة من اللامسؤولية واللاوعي في هذه المرحلة الحساسة التي نجتازها في لبنان، والتي تتطلب حسّ مسؤولية وطنية، بحيث يقدمون على تحوير وقائع لها علاقة بصحة الناس واستغلال أزمة وبائية طالت نتائجها كل أصقاع المعمورة، كل ذلك فقط لمحاولة النيل منّا”.

فمن كانت تقصد؟ يشير نائب حزب القوات اللبنانية جوزيف إسحاق لـ”المدن”، أنّ كلام جعجع جاء ردًا على تقارير “صحافية” حوّرت كلامها مع وزير الصحة لأهداف سياسية معروفة المصدر والتوجه، بهدف إظهار حزب القوات كأنه يسيّس تفشي “كورونا” في بشري، بما يخص قرار عزلها، وهذا عارٍ من الصحة، و”الدليل أنّ البلدة دخلت مرحلة العزل”.

المصدرالمدن
رابط مختصر