ثورة “كلن يعني كلن”: انتظام الدولة.. تطبيق القوانين والدستور

beirut News
لبنانمقالات
beirut News4 فبراير 2020
ثورة “كلن يعني كلن”: انتظام الدولة.. تطبيق القوانين والدستور
نعمه نعمه  كاتب لبناني
نعمه نعمه كاتب لبناني

منذ ما قبل 17 تشرين، تمحور عمل مجموعات عدة، وبعض الصحافة والناشطين والناشطات، على سلّة من المطالب والحقوق، تتركز على الفساد والحقوق الاجتماعية والاقتصادية والمالية، مغفلةً الحقوق السياسية. لكن ثورة 17 تشرين الأول 2019، ركزت بوضوح على الحقوق السياسية منذ بدايتها. ومع استمرارها وتعرّج مسارها تحولت الثورة إلى مطالب وحقوق وأنشطة جزئية، تؤكد السلطة الحاكمة أحقيتها، بعدما ذهبت الثورة أبعد منها في شعارها الأساسي “كلن يعني كلن”. وذلك سعياً منها إلى إعادة انتظام الحياة السياسية طبقًا للقوانين والدستور، وإلى بناء دولة العدالة الاجتماعية والاقتصادية والصحية والثقافية، كمرحلة أولى في اتجاه التغيير الشامل.

سلطة تفتيت المجتمع
وكانت سلطة المحاصصة وحاكمية مصرف لبنان، قد اكتسبتا مهارة التلاعب بالقوانين ودستور الطائف. فعلى مدى 30 سنة، عملتا على ضمان استمرارهما باتباعهما نهج تقاسم الغنائم والريوع الذي مزج الهوس بالسلطة والهوس بالمال المتلاصقين، ليصيرا أداة التحكّم بالمجتمع واستتباع جماعاته استتباعاً نفعيّاً، والتلاعب بمقدرات الدولة وخزينتها، وتوزيعها ريوعاً تحت لواء التحريض الطائفي، والتلاعب بالتمثيل الانتخابي والنقابات وغيرها من مؤسسات المجتمع المدني .

في المقابل، وعلى المستوى الشعبي، انطلقت منذ سنوات صرخات مطلبية متعددة: تصحيح الأجور، رفض التوظيف الاستنسابي، والهدر والاعتداء على الأملاك العامة واستباحتها وتوزيعها على موالي الزعماء السياسيين ومحاسيبهم. وأدى تراكم هذه المطالب وتفاقم الأزمة المالية إلى انفجار انتفاضة 17 تشرين، وخروج فئات واسعة من اللبنانيين إلى الشوارع والساحات للمطالبة بالحقوق، كلّ حسب حاجاته ومطالبه. لكن ما جمع بين المحتجين وفئاتهم هو شعار سياسي يشير إلى رفض نهج سلطة المحاصصة، والتأكيد على أنها هي من أوصلت البلاد إلى الانهيار.

وكانت السلطة قد تلاعبت بمقدرة الناس على خلق قوى اعتراض، فعملت على تجزئتها إلى مجموعات صغيرة غير فاعلة وغير مؤثرة. وذلك من خلال سيطرتها على النقابات والانتخابات النيابية المُعدّة على قياسها، وتقليص دور المناطق والإمعان في تهميشها، وإخراج مفتعل لأحزاب عريقة من المشاركة السياسية وإخضاع بعضها. وأمعنت السلطة في مخالفة القوانين وتعطيل آليّة المحاسبة قضائية، ومنع إنشاء أطر تمثيلية ونقابية بديلة.

ضياع خريطة الطريق
وكانت المجموعات الناشطة ميدانيًا تحمل سلّة مطالب، وتلاحق السلطة لوقف الهدر ومحاسبة الفاسدين. وهي تعلم يقينًا أن هذه المطالب والتحركات لتحقيقها لن تؤدّي إلى خلاص البلد من السلطة، بل إلى علاج بعض الممارسات المكشوفة لرجالها. وتعلم المجموعات أيضاً أن رجال السلطة يساهمون في تحقيق بعض من هذه المطالب، أمّا لغاية كيديّة أو لتبييض وجهها.

وأطلقت المجموعات نفسها الشعار السياسي لانتفاضة 17 تشرين: “كلن يعني كلن”. لكن هذا الشعار السياسي لم يأخذ بعدُ مداه الفعلي لتحقيق عملية التغيير الشامل التي يفترضها ويدعو إليها. وبادرت المجموعات إلى إهمال شعارها، واستعاضت عنه بسلة مطالب وحقوق، وفضح مكامن الهدر والفساد. وهذا فعليًا ما يريح السلطة من عبء مواجهة التغيير السياسي الحقيقي، لتحقق بعض المطالب من خلال حكومة تكنوقراط، ليبدو الخلل في الحكومات وليس في تركيب السلطة نفسها وفي بنيتها، وفي غياب الانتظام العام وتطبيق القوانين والدستور.

كانت خريطة الطريق التي اتبعتها الثورة في بدايتها، هي السبيل الأقل كلفة لتحقيق الانتظام العام وتطبيق الدستور والقوانين: حكومة مستقلين بصلاحيات استثنائية، انتخابات نيابية مبكرة، إستقلالية القضاء.

طبعاً لم يكن متوقعاً انصياع السلطة لهذه الخريطة. فالسلطة تصرّ على الاستمرار في موقعها، ولكنها مستعدة للتضحية بحكومة (على أن تبقى تحت جناحها)، ولتقديم بعض التنازلات التي تمكنها من استعادة الدفّة وإخضاع الناس بأساليبها المعهودة.

نستنتج من هذا أن السلطة تخشى الشعار السياسي “كلن يعني كلن”، وما يعنيه إنتاج سلطة بديلة. والمجموعات الناشطة والناس المنتفضين ليس في مستطاعهم تفعيل تنفيذ هذا الشعار. فهم لم يبتكروا الوسائل والإمكانات الإجرائية لوضعه موضع التنفيذ، بعد أشهر الثورة الثلاثة. وهذا على الرغم من توقع توسع الثورة، بعد فشل للسلطة والمصارف في إيجاد حلول مستدامة للأزمة.

مكوّنات الثورة
نتوقف هنا لنبيّن مكوّنات الثورة الثلاثة:

– الأول هو المجموعات الميدانية والناس المنتفضين الذين عبّروا عن موقفهم بوضوح وفي المناطق، تحت شعار “كلن يعني كلن”.

– المكوّن الثاني هو النقابات والهيئات التمثيلية القطاعية الجديدة الناشئة، مثل مجموعة “أنا خط أحمر” المؤلفة من شركات ومؤسسات صغيرة انضمت إلى الثورة، ومؤخرًا انضمت بتردد جمعية الصناعيين. لكن الأبرز كان استقلال نقابة المحامين عن السلطة. وكان سبقها في ذلك نشوء نادي القضاة المستقل، وإعلانه مواقف مشرفة. وهناك أيضاً نشوء يجمع مهنيين ومهنيات النقابي المستقل عن الاتحاد العمالي وعن النقابات المهنية التي لا تزال تحت هيمنة السلطة. وهذا إضافة إلى سعي ناشطين في المجالات الثقافية والفنية لتأسيس نقابات بديلة.

– المكوّن الثالث هو المجتمع المدني وما يضم من أحزاب معارضة فعلية وشخصيات وطنية وأكاديميين. هذا المكوّن هو الأكثر التباساً في الواقع، لأن لدى الأحزاب وبعض الأفراد مشاريع سياسية للوصول إلى الحكم، لكنهم يفتقرون إلى الإطار الديموقراطي لممارسة نشاطهم في وجه أحزاب السلطة التي تعرقل الممارسة الديموقراطية. والسؤال هنا مثلاً: على ماذا يجتمع الحزب الشيوعي وحزب الكتائب؟ أو التنظيم الشعبي الناصري ومؤسسة سمير قصير؟ الجواب واضح في هذا السياق ولو كان شكلاً غير واقعي. هذه المكونات تجمعها المطالبة بضرورة انتظام الدولة، وتطبيق القوانين ودستور الطائف. وذلك عبر تكوين مجموعة ضغط وازنة تهدف حصرًا إلى تحقيق هذا الهدف المشترك كأرضية للتلاقي والصراع والعمل السياسي الديموقراطي الذي لا تستطيع حتى أحزاب السلطة معارضته. وهو قابل للتحقيق بحكومة مستقلة صلاحياتها استثنائية، لأن المجلس النيابي فقد شرعيته الشعبية. أما سياق تحقيق ذلك فهو رهن الحكومة المستقلة التي تضم المكونات الاجتماعية اللبنانية للثورة ومن خارجها. فعملية التغيير قد تتحقق على مراحل، هذه مرحلتها الأولى.

هذه المكونات – أي المجموعات الميدانية والناس المنتفضين، والنقابات والنقابات البديلة، والمجتمع المدني والأحزاب المعارضة – هي من يحقق المطلب السياسي وشعاره “كلن يعني كلن”. على أن يكون المكون الأول هو القوة الضاغطة شعبيًا. إذ بات واضحًا أن مطلب المكونين الثاني والثالث يفترض ديمومة الممارسات الديموقراطية والتمثيلية وعدالتها وانتظام الدولة. فيما يتمحور نشاط المكوّن الأول حول العدالة الاجتماعية والاقتصادية.

هذه المكوّنات الثلاث تؤسس فعلاً لحالة ثورية تُخرج البلاد من مأزقها، وتنقلها إلى سياق تغييري أكثر نضجًا، من دون أن يحتكر أي مكوّن منها الخطاب الثوري التغييري للمكونات الأخرى. فالهدف ليس تنميط، أو توصيف الثورة بأنها ثورة بلشفية أو ليبرالية أو اجتماعية أو غير ذلك من الصفات، بل خلق إطار نضالي ديموقراطي واسع لممارسة العدالة الاجتماعية والاقتصادية ضمن انتظام الدولة وتطبيق القوانين والدستور.

المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع “بيروت نيوز” بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و”الموقع” غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.

المصدرالمدن
رابط مختصر