وتبدو موسكو محرَجة إذا استخدمت حق النقض، ففكرة الحياد طرحتها أكبر مرجعية مسيحية في الشرق وهي البطريركية المارونية، وروسيا تتباهى بأنها تحمي المسيحيين والأقليات، وبالتالي فإن “الفيتو” الروسي قد يُشكّل ضربة لمصداقيتها ويسبّب لها العداء مع القسم الأكبر من مسيحيي الشرق، في حين أن الموافقة عليه من دون تأمين مصالحها الإستراتيجية يعني خسارتها نقاطاً في لعبة صراع الدول. وبانتظار لقاء السفير الروسي ألكسندر زاسبكين بالبطريرك الراعي، تؤكد مصادر ديبلوماسية من موسكو لـ”نداء الوطن”، أن لا موقف روسيّاً رسمياً من طرح الراعي حتى الآن. وتستبعد صدور موقف صريح وواضح بهذا الشأن في المستقبل القريب نظراً إلى التعقيدات السياسية الكبيرة في المنطقة، خصوصاً أن الهمّ الروسي يتركّز حالياً على سوريا والمفاوضات مع الأميركيين ولا تريد أن تغرق في التفاصيل اللبنانية.
لكن في المقابل تحرص موسكو على عدم الظهور بمظهر المواجه للبطريركية المارونية وللمسيحيين في لبنان، وبانتظار عودة المبعوث الخاص للرئيس الروسي إلى الشرق الأوسط ودول أفريقيا، نائب وزير الخارجية ميخائيل بوغدانوف، إلى ممارسة مهامه بعدما أخذ إجازته الصيفية التي تستمر نحو 20 يوماً، فإن الصمت هو سيّد الموقف في موسكو في ما خصّ الملف اللبناني، حيث تترك اللعبة الداخلية تأخذ مكانها، لأنها تعتبر أن التسرّع قد يولّد الازمات بدل أن يحلّها، وهي لا ترغب في أن تشكّل مواقفها عامل توتر داخلي لأن لا أطماع كبيرة لها في لبنان.
في المقابل، تُشدّد المصادر على أن الخارجية الروسية مهتمة بمواقف الراعي وتتابعها، لكن هناك تساؤلات روسية عمّا إذا كان مثل هذا الطرح سيسلك طريقه نحو التنفيذ لأن للحياد شروطه ومتطلباته الداخلية والخارجية، فاذا كان هناك توافق داخلي فإن هذا الأمر، بحسب رأيها، جيد وقد يكون سبباً لإستقرار لبنان، لكن التشديد الروسي هو على سلوك طريق الحوار الوطني وضرورة حماية السلم الاهلي لا الدخول في تجاذبات وسط الاحداث الكبيرة التي تمرّ بها المنطقة.
وفي السياق، يُنتظر أن تبدأ مرحلة ديبلوماسية روسية جديدة في لبنان بعد موافقة الحكومة اللبنانية على اعتماد السفير الروسي الجديد ألكسندر بوداكوف خلفاً لزاسبكين، والذي يُعتبر ديبلوماسياً مخضرماً، وقد شغل حتى العام 2017 منصب رئيس البعثة الروسية في رام الله وقبلها كان سفيراً لبلاده في دول عربية عدّة مثل اليمن، وكذلك كان ديبلوماسياً لمدة 10 سنوات في سوريا، وإختيار مثل هذا الشخص الذي سيتولى مهام الديبلوماسية في أيلول أو تشرين الاول المقبلين على أبعد تقدير يعطي إنطباعاً على مدى الإهتمام الروسي بلبنان لكن ضمن حدود معينة..