وفي لبنان ايضاً نفوذ إيراني مهم من خلال “حزب الله”، وباريس أدركت مدى اهمية إبقاء خطوط التواصل المباشر قائمة ومفتوحة معه. فوَسط الاندفاعة الاميركية لإرغام الدول الغربية على قطع تواصلها مع ايران، وهو ما ارتابت منه اوروبا واعتبرته إخراجاً لها من اسواق ايران الغنية بحيث تعود الشركات الاميركية وحدها الى هذه الاسواق لاحقاً، ساهم “حزب الله” بإعادة فتح قنوات التواصل بين فرنسا وايران والابقاء على دور حيوي واساسي لفرنسا، في وقت بقيت طهران على رفضها للتفاوض والتحاور مع واشنطن.
في الواقع بَدت فرنسا بكافة تلاوينها السياسية راضية لا بل مؤيدة لوصول ماكرون السريع الى بيروت مطلع آب الماضي، مُستبقاً وصول الوفد التركي برئاسة نائب الرئيس التركي، والوفد الايراني برئاسة وزير الخارجية.
لكنّ زيارة ماكرون الثانية اظهرت انّ الامور اكثر تعقيداً مما يعتقد كثيرون، وهو التنبيه الذي دَأب عليه رئيس جهاز المخابرات الخارجية الفرنسية برنار ايمييه نتيجة خبرته العميقة بالطبقة السياسية اللبنانية، والتي خبرها عن عمق حين عمل في أدق مراحل لبنان في العام 2005 وما بعده، وحيث كانت باريس تتولى دوراً اساسياً في رعاية فريق 14 آذار.
فبعد زيارته الثانية، لمسَ ماكرون لمس اليد كيف انّ هذه الطبقة السياسية اللبنانية، والتي اعتادت “غش” اللبنانيين، منشغلة بشكل كامل بكيفية بقائها واستمرارها، بينما كان الرئيس الفرنسي يعمل على هَزّها من خلال تحصين الجهود الآيلة لتشكيل حكومة قادرة على وضع وتنفيذ بعض الاصلاحات الملحّة في قطاعات ومرافق شكّلت محميات حزبية وشخصية تعيث فساداً وقحاً.
نجح ماكرون في انتزاع تعهدات والتزامات من القوى السياسية بتأمين ولادة حكومية قبل منتصف ايلول، خصوصاً بعدما رفع عصا العقوبات في وجه الطبقة السياسية الحاكمة.
وبالمناسبة، فإنّ تقريعه للصحافي الفرنسي في صحيفة “لو فيغارو”، والذي تعهّد ان يكون علنيّاً وعبر الاعلام، إنما كان موجّهاً الى ما كتبه حول اجتماعه برئيس كتلة الوفاء للمقاومة محمد رعد تحديداً.
في الواقع، إنّ رهان ماكرون على تأمين انتقال هادئ للطبقة السياسية اللبنانية خارج “جنّة” السلطة فيه الكثير من المجازفة، فالالتزامات ستصطدم عاجلاً ام آجلاً بجدار الجمود والمصالح السياسية في لبنان، وهو الجدار الذي يريد المجتمع اللبناني التخلّص منه. المسألة تكتيكية لدى أطراف الطبقة السياسية، من زاوية “تصنع” الليونة بانتظار دنو لحظة الانقضاض.
وتردّد انّ واشنطن، وفي إطار التواصل القائم مع باريس حيال مهمتها في لبنان، حذّرت الرئاسة الفرنسية من تلاعب اطراف الطبقة السياسية اللبنانية الحاكمة بالمبادرة الفرنسية، وشجّعتها على تجهيز ملف العقوبات الذي لا مفر منه.
لقراءة المقال كاملاً اضغط هنا.