تجربتا 1975 و1984 لا 1958

5 يونيو 2021
تجربتا 1975 و1984 لا 1958

كتب نقولا ناصيف في “الاخبار”: عندما طرح البطريرك الراعي من قصر بعبدا الأربعاء الفائت فكرة حكومة أقطاب، حضرت إلى ذهنه للفور التجربة المهمة والاستثنائية في ثانية حكومات عهد الرئيس فؤاد شهاب عام 1958، هي الحكومة الرباعية التي قاد نجاح تجربتها إلى تكرارها في عهد خلفه الرئيس شارل حلو عام 1968، بثلاثة من الوزراء الأربعة إياهم لكن برئيس مختلف. ترأّس الحكومة الرباعية الأولى الرئيس رشيد كرامي وضمّت إليه الرئيس حسين العويني والشيخ بيار الجميل والعميد ريمون إده. في الحكومة الرباعية الثانية بعد عشر سنوات، ترأّسها الرئيس عبدالله اليافي وضمّت إليه الوزراء أنفسهم، العويني والجميّل وإده. في الحكومتين كلتيهما مارونيان وسُنيان فقط.

حكومتا الأقطاب – لا أقطاب – اثنتان فقط عُرفتا، واستطاعتا أن تضطلعا بهذا الدور بعض الوقت قبل أن تسقط التجربة هذه بالانقسام: الأولى، ترأسها كرامي في عز «حرب السنتين» ما بين الأول من تموز 1975 و9 كانون الأول 1976، آخر حكومات عهد الرئيس سليمان فرنجية. من ستة وزراء (الرئيسان كميل شمعون وعادل عسيران والوزراء مجيد ارسلان وفيليب تقلا وغسان تويني). دعمتها دمشق في مطلع مرحلة وساطتها السياسية في لبنان، وتفادى تأليفها انضمام أكثر الأعداء ضراوةً في الحرب تلك، ككمال جنبلاط وبيار الجميّل، بأن تمثّل جنبلاط بكرامي والجميّل بشمعون، بينما الوزراء الآخرون لم ينخرطوا في الحرب. لعل واحداً من المشاهد التي لا تُنسى حينذاك، إبان مشاورات التأليف، مصالحة تاريخية استثنائية في قصر بعبدا بين شمعون وجنبلاط، الغائرين في عداء سياسي وشخصي بدأ عام 1952 ولم يكن قد انتهى.
في حكومة الستة، تمثّلت الطوائف الأكبر – باستثناء الأرمن – بأقطابها الأُوَل، فلم تُستبعد أي منها، ولم يصر إلى التشكيك في شرعية أي من هؤلاء ووزنه التمثيلي، ولم يعاند أحد في الإصرار على أن يكون داخلها. رضي جنبلاط بأرسلان ممثلاً للدروز وكان في المقلب الآخر منه في الحرب، والرئيسان صبري حمادة وكامل الأسعد بعسيران ممثلاً للشيعة. كان تقلا أقدم ممثلي طائفته، وتويني أثمن الأرثوذكسيين. مع ذلك، لم تعش وحدة حكومة الأقطاب تلك في ظل تواصل جولات الحرب. خرج منها تقلا أولاً بالسفر إلى البرازيل نهائياً، ثم اختلف فرنجية وشمعون مع كرامي الذي قاطع مجلس الوزراء، فانتقلت حقائبه ومنصبه إلى شمعون في سابقة غير مألوفة، أن يمسي رئيس حكومة بالوكالة. رغم تفككها صمدت إلى ما بعد انتخاب الرئيس الياس سركيس.

ثانية حكومات الأقطاب كانت ثانية حكومات عهد الرئيس أمين الجميّل، ما بين 30 نيسان 1984 و22 أيلول 1988- مع أن مواصفاتها كحكومة أقطاب كانت أفضل من سابقة حكومة 1975 تعبيراً عن موازين القوى في البلاد، إلا أنها مثّلت نوعاً فريداً من الحكومات: عشرية، أكثر من نصف وزرائها معارضون، بينما بَانَ الموالون أقلية. ترأسها كرامي، وضمّت شمعون والجميّل وعسيران والرئيس سليم الحص وجوزف سكاف وعبدالله الراسي وفيكتور قصير، وللمرة الأولى وزيرين، رئيس حركة أمل نبيه برّي ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط. عمّرت أكثر من أربع سنوات، التأمت خلالها سنة ونصف سنة، فيما الباقي في قطيعة كاملة بين وزراء المعارضة الستة ورئيس الجمهورية. من فوق رؤوسهم صارت تتناقل المراسيم الجوّالة بسبب منع سوريا انعقاد مجلس الوزراء منذ ما بعد كانون الثاني 1986.
لم تشكُ حكومتا الأقطاب هاتان من تعذّر تأليفهما، ولا الخلاف على رئيسيهما، ولا من تسليم خصوم رئيس الجمهورية بوجوده على رأس الطاولة، مقدار ما شكتا من واقع الحرب اللبنانية ودور دمشق حينذاك، ناهيك بجولات القتال التي كانت تحول دونهما. لم تكن مشكلتا الحكومتين واحدة، وإن أظهر وجود الأقطاب فيهما إلى حد كبير ضماناً بحد أدنى من تفادي الانزلاق. بيد أن وطأة التدخلات الخارجية أضعفتهما.
ما قد يُحزن في عرض البطريرك أنه لن يعثر الآن على أقطاب يستحقون الصفة أولاً، يُعوَّل عليهم ثانياً، غير مرتكبين وغير آثمين يمثلون ملاذاً آمناً ثالثاً.

المصدر:
الأخبار