مفارقات ودلالات “معبّرة”.. هل تمهّد زيارة سوريا إلى “تطبيع” العلاقات معها؟

6 سبتمبر 2021
مفارقات ودلالات “معبّرة”.. هل تمهّد زيارة سوريا إلى “تطبيع” العلاقات معها؟

كتب المحرر السياسي: كثيرة هي المفارقات اللافتة التي سُجّلت على هامش الزيارة التي وُصِفت بـ”النوعيّة” للوفد الوزاري اللبناني إلى العاصمة السورية دمشق، وهي الأولى من نوعها منذ اندلاع الثورة السورية قبل أكثر من عشر سنوات، كانت فيها مثل هذه الزيارات “محرَّمة” على أصحاب القرار، للكثير من الأسباب والاعتبارات.

 
من هذه المفارقات مثلاً أنّ الزيارة التي “حرص” القيّمون عليها على “حصرها” في الجوانب التقنية والفنية، لم تغب بالمطلق عن السياسة، وهو ما قرأه كثيرون في “تركيبة” الوفد، الذي شاركت فيه نائبة رئيس الحكومة وزيرة الخارجية بالوكالة زينة عكر، والتي اعتُبِر حضورها بمثابة “رسالة” سياسيّة واضحة الغايات.
 
ومن المفارقات أيضًا “الصمت” الرسميّ وغير الرسميّ الذي قابل الزيارة، والذي شكّل “إدانة” لطرفي الصراع، من خصوم سوريا الذين اتّهمهم خصومهم بـ”الخضوع” لإملاءات واشنطن، ما أوقعهم في فخّ “عدم الانسجام” مع الذات، إلى حلفائها الذين تباهوا بـ”انتصار” كانت الولايات المتحدة الدافع الأول لحصوله في الأساس!

 
“كلمة السرّ”
 
قد يحمل هذا التفصيل بحدّ ذاته “كلمة السرّ” التي تفكّ كلّ “الألغاز” التي أحاطت بالزيارة، التي يؤكّد العارفون والمطّلعون، أنها ما كانت لتحصل، لولا موافقة الجهات الدولية والإقليمية المعنيّة، حتى إنّ هناك من يجزم بأنّ الولايات المتحدة هي التي طلبت إنجازها، أو أنّها بالحدّ الأدنى، أبلغت المعنيّين أنّها “لا تمانع” حصولها، بما يشبه “التحفيز” عليها.
 
وكان التمهيد لهذه الزيارة بدأ يوم أبلغت السفيرة الأميركي لدى لبنان دوروثي شيا الرئيس اللبناني ميشال عون قرار الإدارة الأميركية مساعدة لبنان على استجرار الطاقة الكهربائية من الأردن عبر سوريا، وذلك عن طريق توفير كميّات من الغاز المصري إلى الأردن، تمكّنه من إنتاج كميّات إضافيّة من الكهرباء لوضعها على الشبكة الّتي تربط الأردن بلبنان عبر سوريا. 
 
لهذه الأسباب، قوبلت الزيارة بصمت، بل “ترحيب” الكثير من خصوم سوريا، الذين وضعوها في إطار وجوب “التحرّك” في هذه المرحلة، بأيّ طريقة كانت، لحلحلة الأزمة التي يتخبّط خلفها لبنان، خصوصًا على صعيد الغاز والكهرباء، وطالما أنّ واشنطن منحت لبنان “إعفاء” من مقتضيات قانون “قيصر” وعقوباته، وهو ما يفترض بأصحاب القرار الاستفادة منه.
 
ماذا بعد الزيارة؟
 
بعد زيارة الوفد اللبناني إلى سوريا، تتّجه كلّ الأنظار إلى متابعة ما تحقّق فنيًا وتقنيًا، علمًا أنّ محادثات دمشق لم تكن سوى “شكليّة” تحضيرًا للاجتماع المرتقب الأربعاء، في العاصمة الأردنية عمّان، بمشاركة وفود من الدول المعنيّة بالاتفاق، أي لبنان وسوريا ومصر والأردن، وذلك للبحث جديًا في تفعيل الاتفاقات بين هذه الدول لإمرار الغاز والكهرباء من مصر والأردن إلى لبنان عبر سوريا.
 
لكن، ثمّة من بدأ الحديث أبعد من الجوانب الفنية والتقنية، ليستحضر الجانب السياسيّ، حيث روّج كثيرون في اليومين الماضيين أنّ زيارة دمشق مهّدت عمليًا لوضع مسار “تطبيع” العلاقات مع النظام في سوريا على الطاولة مجدّدًا، علمًا أن محسوبين على قوى “8 آذار” لم يتأخّروا في المطالبة باستكماله بخطوات عملية مباشرة وملموسة، بعيدًا عن “الضوابط” المفروضة دوليًا وإقليميًا.
 
لكنّ مثل هذه المطالبات تبقى “للاستهلاك الإعلامي” ليس إلا، وفقًا للعارفين، الذين يؤكّدون أنّها تأتي في جانبٍ منها للتغطية على “الحَرَج” الذي تسبّب به واقع أنّ الزيارة حصلت “بمباركة” واشنطن، علمًا أنّ المعنيّين يستبعدون أن تكون لها أيّ تبعات سياسيّة على الواقع الداخلي في المدى المنظور، وعلى الأقلّ قبل تأليف حكومة جديدة يمكنها أن تناقش هذا الملفّ “الحسّاس” بصورة جدّية وواقعيّة.
 
لا تعني زيارة الوفد اللبناني إلى سوريا تغييرًا لـ”قواعد اللعبة” فعليًا. هي بالتأكيد لا تعني أنّ سوريا “عادت” إلى لبنان، أو حتى إنّها “على وشك” العودة، لأنّ مثل هذا الأمر دونه محاذير كثيرة، فضلاً عن أنّ من انتظر “مباركة” إقليمية ودولية لمجرد زيارة، لا يمكنه التصرف “أحاديًا”. الأساس يبقى تشكيل الحكومة، اليوم قبل الغد، وبعيدًا عن كلّ الذرائع التي تطيل أمد التكليف، وتكبّله عند “شروط” ثبُت عقمها!