مغادرة اليونيفيل للبنان بعد حادثة العاقبيّة.. هل ستحصل حقاً؟

22 ديسمبر 2022
مغادرة اليونيفيل للبنان بعد حادثة العاقبيّة.. هل ستحصل حقاً؟


من المُستبعد تماماً ذاك السّيناريو الذي يُروّج لإمكانيّة انسحاب قوّات “اليونيفيل” من لبنان بعد حادثة العاقبيّة، فالأمرُ لا يحتملُ هذا التأويل ولا يقودُ إليه. وقبل الغوص في تفاصيل الأسباب التي لا تؤدي إلى “انفكاك” عقد “اليونيفيل” مع لبنان، فإنّ ما يجب معرفتهُ هو أنَّ وجود تلك القوات هو حاجةٌ دولية ولبنانية، وأكثر من أيّ وقتٍ مضى، فإن أمر وجودها بات مُلحاً ولا يُمكن المساسُ به ارتباطاً بدواعي الأمن القومي في لبنان وتحديداً عند الحدود الجنوبيّة.
 
ما هي الأسباب التي تُرسّخ بقاء “اليونيفيل” في لبنان؟
في الواقع، فإنّ أُسس الإستقرار التي تُنادي بها دول القرار تُحتّم بقاء “اليونيفيل”. فعملياً، فإنّ منطقة الجنوب تعتبرُ خطاً ساخناً للتوتّر، وبالتالي فإنّ هناك ضرورة لأن تبقى تلك القوّات موجودة في تلك الرقعة لضمانِ تسوية وإطفاء لهيب أي احتكاك أو لرصدِ أي مخالفات للقرارات الدولية لاسيما القرار 1701. ومنذ حرب تمّوز عام 2006، أصبح دور “اليونيفيل” أكثر أهميّة، إذ من خلاله باتت ضمانة وقف إطلاق النار مع العدو الإسرائيلي أكبر، وعسكرياً ستكون تلك القوات عامل “التبريد” والعنصر المحايد الذي يحتاجه طرفا النزاع، أي لبنان وإسرائيل.
 
وعلى الصّعيد الأمني والاستراتيجيّ، فإنّ ما تقوم به قوات “اليونيفيل” ارتبط وسيرتبطُ حُكماً باستحقاقاتٍ كثيرة، وأبرزها تلك المرتبطة بترسيم الحدود البحريّة الذي تم مؤخراً ناهيك عن ترسيم الحدود البريّة الذي سيأتي لاحقاً. فعلى صعيد الترسيم البحريّ، فإن دور “اليونيفيل” كان كبيراً ولا يُمكن نكرانه، وقد كان له أثرٌ كبير في تذليل أي عقبات لوجستية، كما أنه أرسى حالة من الإطمئنان لدى طرفي التفاوض، وجعلَ من الأميركيين يتمسكون بورقة الضمانة تلك لإتمام الإتفاق بشكلٍ سلس. وفعلياً، فإنّ قوات “اليونيفيل” ساهمت إلى حدّ كبير في أن تكون العنصر “الرمادي” في قضية الترسيم، ومركزها في الناقورة ليس محسوباً على أي طرف. فعلى سبيل المثال، فإن الوفد اللبناني الذي حضر في الناقورة للترسيم في تشرين الأول الماضي، دخل إلى مركزٍ لا علاقة للإسرائيليين به، والعكس صحيح. هنا، تحقّق الدور الأساس لـ”اليونيفيل” في إتمام الإتفاقية من دون الوصول إلى أيّ خطوة نحو التطبيع، وحقاً هذا ما كان يريدُه لبنان.
 

 
وما لا يُمكن نكرانه أيضاً هو أنّ لقوات “اليونيفيل” محوراً دقيقاً في إرساء الترتيبات الأمنية على الحدود، فمن خلالها يتابع لبنان موضوع الخروقات الإسرائيلية، وهذا الأمر يؤكّده الجيش في كل بياناته. هنا، فإنّ الاعتراف بدور “اليونيفيل” كبير، والأهم هو أن جنود تلك القوات لديهم التزامٌ واضح بتطبيق كافة البنود المتعلقة بمهامهم، سواء داخل نطاق عملياتهم أو خارجها.
 
أمّا في ما خصّ العلاقة مع الجيش و “حزب الله”، فإنّ “اليونيفيل” لم تشكل يوماً بديلاً عن الجيش في إرساء الإستقرار في الجنوب، ولم تكن يوماً في مواجهة “حزب الله”. ولو كان هذا الأمرُ قائماً فعلاً، لكانت الأمورُ تفاقمت أكثر منذ زمنٍ وليس اليوم. وعليه، فإنّ “بِدعة” الصدام بين “اليونيفيل” وأهالي الجنوب لا يمكن وضعها في إطارٍ واقعي، والدليل هو العلاقات المتبادلة بين قوات حفظ السلام والجنوبيين.
 
ماذا عن الدّعم الإقتصادي والتنموي الذي تُقدّمه “اليونيفيل”؟
في الأساس، فإنّ وجود قوات “اليونيفيل” في لبنان منذ العام 1978 ارتبط بأساسٍ عسكري، لكنه مع الوقت شهد تبدلاتٍ مهمة. فمن جهة، باتت “اليونيفيل” أمام أدوارٍ تنموية وإنسانية، إذ من خلالها بات يحصل الجنوبيون على مشاريع كثيرة، وأبرزها مؤخراً تلك المرتبطة بأنظمة الطاقة الشمسية. كذلك، فإنّ مساهمات “اليونيفيل” لا تنحصرُ فقط في الجنوب بلا تتقدّم نحو الجيش من خلال الدعم المستمر له.
 
وبالنظر إلى ما تقدّمه “اليونيفيل” في لبنان، فإنه يكفي التركيز على الناحية المالية للمشاريع التي يجري إنجازها، إذ أنها تُدفع بالدولار الأميركي في ظلّ الانهيار القائم، وتساهم في تنمية الكثير من المجالات وسط تراجع إمكانية الدولة عن ذلك. وبحسب الإحصائيات والأرقام الرائجة، فإنّ لدى “اليونيفيل” ميزانية سنوية تقدر بـ500 ألف دولار لإقامة مشاريع تنموية في منطقة عملياتها.
 
إذاً، فإن هذا المبلغ الذي ترصدُه “اليونيفيل” مهمٌ جداً للبنان، فهو عملة صعبة وتؤدي إلى حركة اقتصادية، ناهيكَ عن إنفاق “اليونيفيل” الدائم في الجنوب لتأمين طعام وشراب تلك القوات وحاجياتها، فضلاً عن المحروقات التي يتم شراؤها من لبنان للآليات. والأهم، فإن قوات “اليونيفيل” كان بمثابة عاملٍ أساسي في تطوير الكثير من القدرات لدى السكان الجنوبيين، وذلك من خلال الدورات التي تقيمها، فضلاً عن المساهمات الطبيّة التي لا تتوقف أبداً.
 
وما لا يُمكن تجاوزه أيضاً هو أنّ قوات “اليونيفيل” ساهمت بتأمين وظائف للكثير من اللبنانيين ضمن أسلاكها المدنيّة، ما يعني توفير فرص عملٍ للبنانيين بغض النظر عن انتماءاتهم. وحُكماً، فإن آلية التوظيف لدى تلك القوات تخضع لشروط صعبة، وهي لا ترتبطُ بأي محسوبيات بل تنظرُ إلى الكفاءة التي يتم إثباتها عبر اختبارات معقدة.
 
في خلاصة القول، ما يجب تثبيته هو أن وجود قوات “اليونيفيل” في لبنان لم يكن نقمةً، وحقاً هذا الأمرُ يُدركه الجنوبيون بشكل خاص وتعرفه الحركة الاقتصادية بشكل عام. أما في ما خصّ الترتيبات الأمنية، فهي لها آلياتها والمعروف تماماً أنّ قوات “اليونيفيل” باتت تعرف طبيعة الجنوب، والاهم هو أن دورها لحفظ السلام، وبالتالي لن تكون يوماً مجالاً أو أداة للصراع.