عبوات ناسفة في قصر العدل

31 يناير 2023
عبوات ناسفة في قصر العدل


ما يجري اليوم على الساحة اللبنانية ينطبق عليه المثل الذي يقول “كنا عم نحلق صرنا عم نقبّع ضراس”. وهذا يعني أن “الطاسة ضايعة” وكل فريق من الأفرقاء اللبنانيين يغنّي على ليلاه ، فيما عامة الشعب يتلّوى على نار القلق المسيطر على كل فاصلة من فواصل حياته اليومية، وهو الذي يركض عبثًا كمن يركض في منامه؛ يلهث من كثرة الركض لكنه باقٍ في مكانه من دون أن يتمكّن من التقدّم ولو خطوة واحدة.  

 
 
 كان همّ اللبنانيين أن يتمكّن من انتخبوهم قبل أشهر من الآن أن يتوصّلوا إلى طريقة ما لانتخاب رئيس للجمهورية فإذا بالذين لا يزالون يمسكون بخيوط اللعبة يأخذونهم إلى الأمكنة البديلة عن الحلول الممكنة، التي يمكن ان تكون بدايتها مع وصول رئيس للبلاد يحمل مشروع حلول. لقد تمّ أخذ اللبنانيين إلى المكان، الذي كان يُفترض أن يكون المكان الذي يلجأ إليه كل لبناني مظلوم لتحصيل حقّه الطبيعي من مغتصبي هذا الحق وليس العكس.  
 
أُخذ اللبنانيون عنوة إلى قصر العدل لتفجير خلافاتهم، ولزرع عبواتهم الناسفة فيه. لم يكن يكفيهم انقسامهم حول عناوين خلافية كثيرة لينقسموا من جديد بين فريقين: الأول يؤيدّ ما قام به المحقق العدلي طارق البيطار وما يمكن أن يقدم عليه من خطوات متقدمة في إصدار القرار الظني في جريمة العصر. أمّا الفريق الثاني فيقف إلى جانب المدعي العام التمييزي القاضي غسان عويدات ويدعم قراراته، ولاسيما تلك المتعلقة بإطلاق سراح الموقوفين.  
 
ومن شأن انقسام اللبنانيين حول هذه المسألة كعادتهم أن يقودهم إلى تأجيج صراعاتهم السياسية والطائفية، في الوقت الذي يحتاجون فيه أكثر من أي وقت آخر إلى تقليل الأضرار الناتجة عن أزمات لبنان السياسية والاقتصادية والاجتماعية المستعصية، خصوصًا أن أفق الانتخابات الرئاسية مسدود في ظل التخبطّ العشوائي الناتج عن ضياع في تصويب البوصلة وتحديد الاتجاهات الصحيحة، مع ما يترافق ذلك من انغماس كلي في لعبة الدولار، التي أصبحت شبيهة إلى حدود كبيرة بلعبة “الروليت” الروسية.  
 
وفيما الضياع الكلي هو سمة من سمات مرحلة اللاوزن، التي يعيشها اللبنانيون في هذه الأيام المصيرية، نرى بعض الذين لا يزالون يعملون على أساس أن لا بدّ من أن يكون في نهاية هذا النفق الطويل نور وأمل في غد أفضل. ومن بين هؤلاء المؤمنين والمتفائلين على رغم كل شيء كثرٌ لا يزالون يحاولون التفتيش عن إبرة الأمل الموجودة في كومة القش. ومن بين هذه المحاولات السعي إلى دفع الأمور الجانبية المعقدّة، التي تحتاج إلى قرارات حاسمة ولا تحتمل التأجيل والتسويف، إلى خواتيم مقبولة، وإن لم تكن مثالية، ولكنها تبقى أفضل من “لعن الظلام”.
 
بالأمس القريب أوجد مجلس الوزراء الميثاقي بامتياز حلًا لمرضى السرطان وغاسلي الكلى، وكذلك الأمر بالنسبة إلى المساعدات الاجتماعية للقوى العسكرية والموافقة على سلفة خزينة ثمن الفيول حاجة معامل إنتاج الطاقة، الذي سمح بتزويد اللبنانيين بساعات تغذية إضافية. وهذا ما سيفعله في الملف التربوي والجامعي، في ظل تفاقم الأزمة مما يهدّد العام الدراسي بأكمله.
 
وبغض النظر عمّا يفعله بعض الذين يغيظهم سير القافلة في خطّها المستقيم، فإن هذه المحاولات، التي يعتبرها أصحاب الشأن “أقل من الواجب”، تبقى أفضل بكثير من اعتماد سياسة التعطيل على كل المستويات.