هل تشتعل جبهة الجنوب بين حزب الله وإسرائيل؟

8 يوليو 2023
هل تشتعل جبهة الجنوب بين حزب الله وإسرائيل؟


 
عند كلّ عدوان إسرائيليّ جديد على غزّة أو أخيراً على مدينة جنين في الضفة الغربيّة المحتلة، تتّجه الأنظار دائماً إلى الجنوب اللبنانيّ، وإذا كان سيُستعمل ساحة للصراع الفلسطينيّ – الإسرائيليّ، عبر ردّ المنظّمات الفلسطينيّة كما في المرّة السابقة على العدوّ. فبعدما سارعت إسرائيل بعد شنّ هجومها على جنين، الى نشر منظومة القبّة الحديديّة على الحدود مع لبنان، أُطلقت قذائف جديدة من كفرشوبا ، وهذا الأمر أصبحت تل أبيب تأخذه بالحسبان، إذ تخشى من أنّ تدخل في حربٍ متعدّدة الجبهات، في ظلّ الوضع السياسيّ الذي تمرّ به، والمعارضة الشديدة لحكومة بنيامين نتنياهو.

Advertisement

 
وقبل هجومها على جنين، حصلت إشتباكات في كفرشوبا بين سكان المنطقة وقوّات العدوّ، بسبب أعمال كان يقوم بها الأخير، وتبعها تحججه بوضع خيمتين، زعم أنّ “حزب الله” شيّدهما في مزارع شبعا، وصولاً إلى بناء سياج جديد في قرية الغجر المحتلة. إضافة إلى ذلك، فإنّ الخروقات الإسرائيليّة للأجواء اللبنانيّة مستمرّة يوميّاً. وتجدر الإشارة أيضاً إلى أنّ “الحزب” أسقط مسيّرة أتت من الأراضي المحتلة منذ فترة قصيرة.
 
وفي هذا السيّاق، فإنّ ما يحصل في جنوب لبنان من إستفزازات يُنذر بحربٍ لا تريدها إسرائيل ولا “حزب الله”، لأنّ العدوّ أوّلاً أثبت أنّه لا يُمكنه شنّ أيّ عمليّة عسكريّة على المدى الطويل، فعدوانه على جنين كان سريعاً، ووصفت وسائل إعلام عبريّة أنّه لم يُحقّق كافة أهدافه، ولم يستطع كما في لبنان أنّ يقضي على “المقاومة”. ومن خلال وقفه القتال في جنين، تبيّن أنّه يخاف فعلاً من تمدّد الصراع إلى جبهات أخرى، ففي حين كانت عمليته ساريّة في الضفة الغربيّة، جرت حادثة دهس في تل أبيب، وهذه العمليّات آخذة بالإزدياد، وهناك قلقٌ إسرائيليّ على الوضع الأمنيّ داخل المدن والمستوطنات.
 
وبالعودة إلى “حزب الله”، فإنّ العدوّ يُدرك أنّ الضربة التي يُمكن أنّ يُوجّهها إلى لبنان هي عبر قصف البنى التحتيّة من طرقات وجسور ومستشفيّات وشركات الكهرباء المتهالكة في الأساس، بهذه الطريقة يستغلّ الأزمة الإقتصاديّة، ويُضيّق على اللبنانيين للضغط على “الحزب” لإيقاف الحرب. ولكن في المقابل، فإنّ هناك ثغرة إقتصاديّة إسرائيليّة، يستطيع “الحزب” إستثمارها في أيّ حربٍ، وهي ضرب منصات التنقيب عن النفط، بينما لبنان لا يزال بعيداً عن إستخراج واستثمار الثروات النفطيّة في البحر.
 
وفي هذا الإطار، فإنّ أميركا والدول الأوروبيّة التي هي في صراعٍ مع روسيا، لن تسمح بأنّ تنجر إسرائيل إلى حربٍ واسعة مع “حزب الله”، لأنّ هذه البلدان تُريد الغاز من البحر الأبيض المتوسط، كيّ تستمرّ بدعم أوكرانيا، وتحدّ من التضخّم. ومن خلال إنجاز الإتّفاق البحريّ الحدوديّ بين بيروت و”تل أبيب”، فإنّ الولايات المتّحدة أبعدت المنطقة عن أيّ صراعٍ مقبل، وهي لا تزال تضغط على الحكومة الإسرائيليّة لتلافي هكذا تصعيد في المستقبل.
 
إلى ذلك، فإنّ قدرة “حزب الله” العسكريّة تطوّرت كثيراً، وأيّ حربٍ مع العدوّ ستكون بمثابة إستعراض لترسانة “المقاومة” الجديدة، ولن تكون سهلة أبداً على إسرائيل وبالطبع لن تُحقّق أهدافها في لبنان، على غرار ما جرى في جنين، أو قبلها في غزّة. كما أنّ حركة “المقاومة” توسّعت، وأصبح العدوّ محاصراً من ثلاث جبهات، في جنوب لبنان والجولان السوريّ المحتلّ وغزة، ومن خلال هجومها الأخير على جنين، أُضيفت الضفة الغربيّة على هذه المحاور، وربما قد تُشعلها إيران عندما ترى الحاجة لذلك، لضرب إسرائيل بقوّة وإحراجها عسكريّاً.
 
والجدير بالذكر أنّه لا يُمكن المقارنة بين جهوزيّة “حزب الله” والفصائل الفلسطينيّة في غزة أو الضفة الغربيّة، إذ أنّ هناك فروقات كثيرة من حيث نوعيّة الأسلحة والصواريخ، والقدرة القتاليّة، والتدريب من ناحيّة “المقاومة الإسلاميّة” في لبنان. وبعد 17 عاماً من حرب تموز، فإنّ “الحزب” بات أقوى من قبل، والمشكلة الوحيدة التي تُواجهه حاليّاً بالتزامن مع الأزمة الإقتصاديّة التي طالت بيئته، هي الفراغ الرئاسيّ، وعدم الإتيان برئيسٍ يُغطّي أعماله العسكريّة وقرار الحرب والسلم، أيّ أنّه حتّى اللحظة، لا غطاء لـ”المقاومة” مسيحيّاً كما كان الأمر عليه عام 2006، في ظلّ الحديث عن رغبة المعارضة بانتخاب شخصيّة تضع على طاولة البحث الإستراتيجيّة الدفاعيّة والسلاح غير الشرعيّ.
 
ويبرز أنّ “حزب الله” وإسرائيل لا يُريدان حرباً في المدى القريب، على الرغم من أنّهما مستعدّان لها، لأنّ الظروف الدوليّة والداخليّة لا تسمح لهما بتوسيع رقعة الصراع بينهما، والعدوّ يُميّز بين ما يقوم به في فلسطين، ويحسب ألف حساب لما قد يحصل في أيّ معركة مع “المقاومة” في لبنان.