صراع الإرادات على مشارف الانفجار

5 أبريل 2025
صراع الإرادات على مشارف الانفجار


زيارة نائبة المبعوث الاميركي مورغان أورتاغوس إلى بيروت ليست زيارة بروتوكولية عابرة، بل تحمل في طياتها رسائل حادة ومطالب أميركية تتجاوز حدود النصائح السياسية إلى ما يشبه الإملاءات. وعلى رأس تلك المطالب، يأتي نزع سلاح “حزب الله”، وهي القضية الأكثر حساسية وتعقيداً في المشهد اللبناني، لا سيّما في ظل الاصطفافات الداخلية والانقسام الإقليمي والدولي الحاد.

تسعى الإدارة الأميركية مجدداً لفرض معادلة جديدة في لبنان تقوم على تفكيك عناصر القوة التي تشكّل، في نظرها، تهديداً لمصالحها ومصالح حلفائها في المنطقة. لكنّ واشنطن في كل مرة تصطدم بجدار الواقع اللبناني؛ توازنات دقيقة، تعقيدات طائفية ومقاومة متجذّرة لم تعد مجرّد سلاح، بل تحوّلت إلى جزء من الوعي الجماعي لشريحة واسعة من اللبنانيين.

ولعلّ الموقف اللبناني الرسمي يتأرجح ما بين الرغبة والعجز تجاه مسألة نزع سلاح “حزب الله”؛ الرغبة في إرضاء المجتمع الدولي والحفاظ على الاستقرار الداخلي في آنٍ معاً. فالحكومة، مهما كان موقفها الحقيقي، تدرك أن فرض هذا الواقع في هذا التوقيت يعني فتح أبواب جهنم على الداخل اللبناني. في المقابل، تطرح “بعبدا” فكرة الاستراتيجية الدفاعية كمدخل للحوار، لكن هذا الطرح يبقى حتى اللحظة مجرّد عنوان فضفاض دون مضمون حقيقي وذلك لأسباب تتعلّق بشكل خاص بالسياق اللبناني الداخلي، إذ إنّ غياب التوافق الوطني الشامل حول دور المقاومة وسلاحها في لبنان والانقسام الجذري بين القوى السياسية التي يعتبر بعضها أنّ سلاح “حزب الله” هو مصدر قوّة وردع، ويرى بعضها الآخر أنه يشكّل تهديداً لسيادة الدولة، يجعل من طرح ملف الاستراتيجية الدفاعية أقرب الى الترف السياسي أو هروب الى الأمام.     

من جانبه، يدرك “حزب الله” أن ما يُطلب منه اليوم ليس مجرّد التخلي عن سلاحه، بل التخلي أيضاً عن دوره وموقعه في المعادلة اللبنانية والإقليمية. لذلك، فإن موقفه محسوم وواضح؛ لا تفريط بالسلاح ولا مساومة على موقع المقاومة. إذ يعتبر “الحزب” أن الحديث عن نزع السلاح في ظل استمرار الاحتلال لأراضٍ لبنانية والانتهاكات الإسرائيلية اليومية هو طرح لا يتماشى مع الواقع، بل هو أقرب إلى الاستسلام السياسي. وبالتالي، فإن أي محاولة لفرض هذا الخيار بالقوة ستُواجَه برفض قاطع، وربما بمقاومة جديّة إذا لزم الأمر، وهو ما ينذر بتحوّل لبنان إلى ساحة صراع داخلية.

اليوم، ثمة هواجس لدى بعض القوى المحليّة من أن تتحوّل الضغوط السياسية إلى اشتباك داخلي يُراد منه خلق واقع جديد بالقوة. ولكنّ هذا الاحتمال، على خطورته، لا يبدو وشيكاً في المدى القريب، فلا البيئة الداخلية جاهزة لمعركة أهلية، ولا المجتمع الدولي مستعد لهذه المغامرة في لبنان في ظل انشغاله بملفات كبرى. لذلك من المرجّح استمرار الضغوط السياسية والمالية، وربما محاولات التضييق أكثر على المقاومة وخنقها اقتصادياً وشعبياً، لكن من دون الذهاب إلى خيار المواجهة المباشرة أقلّه في هذه المرحلة.

وفي ظلّ ارتفاع وتيرة الحديث عن نزع سلاح “حزب الله” بالقوة، يُطرح سؤال أساسيّ حول موقف الجمهورية الاسلامية الايرانية من هذه الضغوط، وما إذا كانت ستُسلّم ببساطة بقرار تجريد “حزب الله” من قوّته بالكامل. تجيب مصادر عسكرية مطّلعة عن هذا السؤال بأن إيران ترى في “الحزب” حليفاً استراتيجياً متقدّماً في ساحات المواجهة، لذلك فمن غير المتوقع أن تتخلّى طهران عن دعمها للحزب، لأن ذلك يعني تفكيك أحد أهم أركان قوّتها وهي، وفق تجارب سابقة، أثبتت استعدادها لكلّ الأثمان طالما أنها لا تمسّ جوهر مشروعها الإقليمي.

لبنان اليوم يقف عند مفترق خطير بين إرادة الخارج التي تطرق أبوابه بقوة، وثوابت الداخل التي لا يمكن القفز فوقها دون تكلفة باهظة. وبين هذا وذاك تبقى المقاومة بسلاحها وخطابها جزءاً أساسياً من المشهد لا يمكن تجاوزه لا بالترغيب ولا بالترهيب. أما الساحة اللبنانية، فتبقى رهينة “لعبة الأمم” التي باتت تتجاوز حدود الجغرافيا وتكاد تبتلع ما تبقى من سيادة وطن ممزّق بين التهديد والترقّب.