نريد لهذه الحكومة النجاح في التصدي للقضايا الوطنية وخدمة شعبها

beirut News29 أغسطس 2025
نريد لهذه الحكومة النجاح في التصدي للقضايا الوطنية وخدمة شعبها


أدى نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الاعلى العلامة الشيخ علي الخطيب الصلاة في مقر المجلس في طريق المطار، وألقى خطبة الجمعة التي قال فيها: 

قال تعالى: (شَهِدَ اللَّـهُ أَنَّهُ لَا إِلَـهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَـهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)
ايها الاخوة ، لم يحظ موضوع في القرآن الكريم من الاهتمام ما حظي به موضوع الالوهية، اذ شكلت نقطة الارتكاز الأساسية، ومحور كلام الله تعالى فيه والهدف الذي اراد تنبيه العقول اليه، وكان المقصود الاول من بعث الانبياء والرسل ع ، بل بلغ من الاهتمام الالهي مبلغا ان يكون اول البشر وجودا في هذا الكون نبي وخليفة لله تعالى قبل ان يتوالد ويتكاثر ليرسم للبشرية من نقطة البداية مسارها الصحيح الذي يحقق الغرض من الوجود، فلا يشط عن الطريق فيضيع فتزل به القدم ويضيع الهدف، لأن الانسان مركب من جملة من الغرائز التي لولاها ما كان له وازع يدعوه للحركة من دونها لما فيها من كلفة، كما في الزواج حيث يرتب على المرء ان يتحمل العواقب التي تنشأ عنه من تشكل الاسرة واحتياجاتها وهمومها، والحمل وما يعنيه للزوجة من التعب والالم. فلولا غريزة الجنس وحب الولد والكثرة لما اقدم امرؤ عليه، فهي تشكل اهم الدوافع لهذا الارتباط.
 وهكذا مجمل النشاط البشري فإن المحرك الاساسي له هي الغرائز حتى ما يبدو ناتجا عن الحاجة للبقاء على قيد الحياة، فإن غريزة حب البقاء هي الباعث لبذل الجهد من اجل سد هذه الحاجة. ولكن الغرائز مطلقة العنان بحد ذاتها، وهي ليست مقيدة اليا وتكوينيا بحيث تقف عند سد الحاجة، وهي بحاجة الى ما يقدر حاجتها ويوقفها عند حدود الحاجة، وهذا جعل امرا منفصلا عنها ربط بأمر اختياري يقوم بوظيفة ادراكه العقل.
 وهنا تقع منطقة الامتحان والصراع بين متطلبات الغرائز والاهواء الجامحة وبين العقل الذي يدعو الى كبحها وايقافها عند حدود الحاجة، تحقيقا للمصلحة ودفعا للضرر، ولكنه مع ذلك ولإن الانسان لا يمتلك القدرة الكافية  لتحديد المصالح والمفاسد في كثير من الأمور، لأن معارفه ليست ذاتية وانما يكتشفها عبر التجارب، فقد يرتكب الكثير من المفاسد دون معرفة منه، حتى يتعرف اليها عبر التجارب المتعددة، كان بحاجة الى عامل اخر يتعرف منه عليها تفاديا للوقوع فيها، خصوصا منها ما له ارتباط بالوجود والاجتماع الانساني الذي لا يحتمل التجارب وتكون الاضرار فيها كارثية”. 
أضاف :”لذلك كانت الحاجة ماسة لوسيلة اخرى ولمصدر آخر يمتلك هذه المعرفة وهذا العلم، وليس هو سوى الله تعالى الذي خلق البشر ومصدر الوجود والخلق الذي هو اعلم بمن صنع وخلق للتعرف اليها تفاديا لهذا النوع من الاضرار، فكان بعث الرسل والانبياء ع الذين قاموا بهذه المهمة الجليلة، اذ تلقوا عبر الوحي هذه المعرفة ووظفوها في خدمة الانسانية .
ان الاقرار بالالوهية لم يكن ليتوقف على هذا الادراك لفلسفة الخلق ، فهي مسألة فطرية ضرورية ومن اولويات الادراكات البشرية، عندما يدرك الانسان وجوده ويلتفت اليه. ولذلك يسأل عن مصدر الاشياء التي يراها وعن علة وجودها، ويستنكر ان يقال له ان لا موجد لها  بل يستهزئ به، ولا يأخذه على محمل الجد. وحتى بعض الذين يلحدون في الله ولهم تفسير فلسفي مادي للوجود، اضطروا الى ان ينسبوا الوجود الى علة نهائية فلسفوها ميكانيكيا وبصورة لا تصمد امام النقاش العلمي، والبعض الآخر ذهب في تفسيره للوجود الى القول بالصدفة، وقد بان هزال هذه التفسيرات التي اعطيت صفة العلمية، وهي لم تكن تستند الى حقيقة علمية، وانما هي مجرد نظريات استندت الى اوهام  وخطأ من بعضهم في تحديد مصادر المعرفة وحصرها في الوسائل الحسية المادية والتجريبية، وانكار ما وراءها،  وهو خطأ فادح ادى الى نتائج خطيرة في طرق التفكير ومناهجه وعدم الاعتبار للقضايا الاخلاقية والقيم المعنوية واختلاق قيم ومبادئ بديلة كان لها اسوأ النتائج على المجتمعات البشرية،  وان ما يجب ان يحكم العلاقات البشرية هي القوة والمصالح المادية، وهي ما نشأت على اساسه النظم الاجتماعية في الغرب وبررت على اساسه مظالمها واستعمارها واستحواذها على خيرات الشعوب الاخرى المستضعفة، من دون احساس بالذنب او بالادانة الأخلاقية، لأنها محتها من قاموسها القيمي. ومن هنا قامت سياستها الخارجية على اساس موازين القوى وان المجتمعات البشرية ليست سوى ساحة للصراع، من الحق ان يأكل فيها القوي الضعيف، فجعلت من المجتمع البشري عبارة عن غابة من الوحوش المتطورة كان أساسها نظرية التطور الداروينية، لا يحسب فيها حساب  لقيم العدالة والحق والانصاف، وان فلسفة وجود المجتمعات الضعيفة ان تكون طعما للوحوش البشرية الكاسرة ، كما هو شأن السمك الضعيف في المحيطات، ان تكون طعما للحيتان. 

وأسف العلامة الخطيب “ان هذه الفلسفة المادية الغربية لاقت انتشارا ونفوذا في المجتمعات الاسلامية والعربية، جعلتها تستسلم لهذا الواقع امام ما تتعرض له من الغرب”. وقال :” نرى ذلك في الابواق التي تروج لثقافة الاستسلام بحجة الواقعية السياسية التي اصبحت ثقافة سائدة لدى نخب متنفذة في بلادنا، وهو ما يفسر هذا السكوت المطبق في العالم العربي والاسلامي امام التغول الغربي ويفسر التحالف السياسي معه من الانظمة الحاكمة التي ترى مصالحها الطائفية والسياسية في ذلك، وطوعت هذه المجتمعات لما يخدم اهداف الغرب فتبلد احساسها الوطني والقومي وحتى الانساني الذي حجبه هذا الانبعاث الطائفي والمذهبي الذي عززه ما سمي بالواقعية السياسية والاحساس بالضعف امام الغرب وآلته العسكرية وتطوره التقني الذي حولها الى اداة بيد القوى العالمية المهيمنة لقمع محاولات النهوض في وجهها التي تمثلها حركات المقاومة، واثبتت فعاليتها في مواجهة قوى العدوان وتفكيك مجتمعاتها وانهاء عوامل القوة لديها، معتقدة أنها هي العدو الذي ينبغي انهاؤه والقضاء عليه”. 

وقال :”ان الهدف من هذا التحليل ايها الاخوة، لا يقصد منه ايجاد حالة من الاحباط لدى الجمهور من الناس، وانما قراءة الواقع  كما هو ليتسنى لنا معالجته بالطرق السليمة، وإنه رغم كل ذلك فإن قوى المقاومة في العالم العربي والاسلامي التي خاضت وتخوض معركة النهوض والمواجهة لم تخسر هذه الحرب،  بل اثبتت جدارتها وقدرتها في خوضها وثباتها رغم ظروفها الصعبة، وقد حققت في فترة قصيرة نسبيا نجاحات لا بأس بها، بعد ان ظن الكثيرون ان الحرب حسمت لصالح الغرب، وان الرايات البيض والاستسلام التي رفعت من البعض تمثل امرا واقعا للأمة، ولكن ما حدث بعد كامب ديفيد واوسلو ووادي عربة من انبعاث جديد للمقاومة، تطور بشكل لم يحسب له العدو حسابا،  وبدت المقاومة تمثل الوجه الحقيقي للأمة وتطلعاتها والسد المنيع في وجه الغرب وأهدافه، اضطر معها للدخول في المواجهة بشكل مباشر، بعد ان كان قد اكتفى بأداته المتمثلة بما يسمى اسرائيل وبعض عملائه المثبطين والمروجين لثقافة الاستسلام والهزيمة”.

وتابع :”ولكنه رغم ذلك، فان المقاومة ثبتت في الميدان، ولم يستطع الغرب ان يحقق هزيمتها وان يحيدها من الميدان رغم الخسائر الجسيمة والندوب التي احدثها في جسد المقاومة، فلم يستطع ان يفرض عليها الاستسلام ولا شروط الهزيمة، وما زال الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة التي خاضت المعركة بشكل مباشر كما قلت، تمارس اقوى الضغوط لنزع سلاح المقاومة رغم ادعائها انها دمرت مخازن سلاحها، وانها لم تعد تمتلك القدرة على المواجهة ما يفضح ادعاءاتها، والا فلماذا تمارس ضغوطها القصوى على لبنان ، سياسية وإعلامية، من اجل نزع السلاح”. 

واستطرد  الخطيب :”ايها الاخوة ، اننا لا نستهين بالعدو حينما نقول انه فشل في تحقيق أهدافه، وحينما لا نخضع للتهديدات التي يمارسها ويستجيب لها البعض، ومنهم للأسف من هو في موقع القرار،  ولكننا نستند الى منطق صحيح والى قوة حقيقية اثبتت قدرتها على تخطي الاخطار وعلى ايماننا بحقنا،  واعتمادا على الله تعالى المنتصر للحق واصحابه، فهو اعتقاد يستند الى الوقائع والى الايمان. 
ومن هنا فخطابي غير موجه الى اصحاب الخطاب العدائي لأن هؤلاء ساقطون من الحساب، وانما الى الواقعيين. فالواقع ايضا امر مشهود وهو  مثبت بالوقائع الحسية، ان التنازل يجر التنازل، وكلما اعطيت العدو امرا طالبك بالمزيد، كالنار كلما زدتها وقودا زادت اشتعالا ولن يقف عند حد”. 
أضاف :”لقد جربت الحكومة اللبنانية ذلك ونصحناها بعدم الخضوع ولكنها اصرت على ارتكاب هذه الخطيئة بمزيد من الأخطاء، حيث تخلت عن الاجماع الوطني فماذا كانت النتيجة ؟ 
لقد وعدها المبعوث الامريكي بانه سيضغط على العدو المحتل، وقال امام الاعلام ان الخطوة التالية يجب ان تكون من قبل الكيان، والذي حصل ان عاد بخفي حنين، وفوق ذلك يطلب المزيد من الإذعان ودفع الجيش اللبناني الى الصدام مع المقاومة، فهل ستستجيب الحكومة الى هذا المطلب القاتل وتستسلم لارادة الذي يعتبرونه صديقا وهو يهين لبنان حين يتلفظ بالفاظ مهينة من موقع يمثل رمز السيادة الوطنية، وقد فعلتها قبله زميلته، ويظهر ان هذا هو السلوك الامريكي الطبيعي مع من يخضع له ويستجيب لضغوطه، فهل ستتعلم الحكومة من هذه التجربة ام ستصر على سلوك هذا النهج الخاطئ؟ 
وتابع متسائلا:” وهل التدخل الامريكي الوقح والفاضح في الشؤون الداخلية والتهديدات التي يطلقها مبعوثوه للشعب اللبناني لا تستحق الرد من الحكومة اللبنانية ومسؤوليها، بينما تستأسد على الجمهورية الإسلامية، حتى يصح فيهم قول الشاعر: اسد عليّ.. وتعرفون البقية.  
نحن نريد لهذه الحكومة النجاح في التصدي للقضايا الوطنية وخدمة شعبها، وان تنتصر لكرامته ولا شيء غير ذلك”.

وتوجه الخطيب ب”العزاء الى الشعب اللبناني والجيش قيادة وضباطا وجنودا  باستشهاد كوكبة من ابنائنا في العدوان الصهيوني الغاشم المستمر على بلدنا في تجاوز فاضح للقرار ١٧٠١ وللقانون الدولي، ونضع هذا العدوان برسم المنظمات الدولية ومجلس الامن، حيث تقف الولايات المتحدة الامريكية مؤيدة لهذا العدو، وتمنع تنفيذ قراراته باستخدام الفيتو”.