أين لبنان بعد 20 عاماً من انسحاب إسرائيل؟

مقالات
21 مايو 2020wait... مشاهدة
أين لبنان بعد 20 عاماً من انسحاب إسرائيل؟
خيرالله خيرالله
خيرالله خيرالله

ليس مفهوماً لماذا إصرار اللبنانيين بكلّ هذه القوّة على الضحك على أنفسهم. ليست مفهومة في الوقت ذاته تلك الرغبة غير المبرّرة في الانتحار والقضاء على بلد كان في الماضي مزدهراً ومتطوّراً على كلّ الصعد. ترمز إلى ذلك  الجامعة الأميركية في بيروت التي صار عمرها 154 عاماً بالتمام والكمال والتي تواجه حالياً أزمة مالية حقيقية.

تطرح هذه الملاحظات نفسها في مناسبة الذكرى العشرين للانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان في الخامس والعشرين من أيّار 2000، تنفيذاً للقرار رقم 425 الصادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في ربيع العام 1978. جاء صدور القرار نتيجة جهود بذلتها الإدارة الأميركية وقتذاك، بالتنسيق مع القاهرة، من أجل إنقاذ عملية السلام بين مصر وإسرائيل، وهي عمليّة أطلقها الرئيس أنور السادات الذي ذهب إلى القدس وألقى خطاباً في الكنيست في تشرين الثاني 1977.

أين لبنان بعد عشرين عاماً من الانسحاب الإسرائيلي الذي فتح آفاقاً أمام الانصراف إلى متابعة مشروع الإنماء والإعمار وتكريس القدرة على استعادة البلد لعافيته؟ لم يحصل شيء من ذلك. انسحبت إسرائيل في السنة 2000  لأسباب خاصة بها. يمكن الدخول في جدل طويل في شأن أسباب الانسحاب الإسرائيلي.  كذلك، يمكن اعتبار أنّ “حزب الله”، الذي كان يقاوم الاحتلال الإسرائيلي، حقّق انتصاراً كبيراً. لماذا لم يستفد لبنان من الانسحاب ومن اعتراف مجلس الأمن بأن إسرائيل نفّذت القرار 425 وانسحبت إلى ما يسمّى “الخط الأزرق”… أم كلّ ما في الأمر أن “حزب الله” انتصر على لبنان وحوّله إلى ورقة إيرانية؟

بدل أن يعود الانتصار إلى لبنان، تحوّل الانسحاب إلى انتصار لـ”حزب الله”، ومن خلفه النظام السوري وإيران اللذين استطاعا إبقاء لبنان، خصوصاً جنوبه، في أسر الوصاية المشتركة تمهيداً للوصول إلى الوصاية الأحادية في نيسان من العام 2005. وقتذاك، انسحب الجيش السوري وأجهزته الأمنية من الأراضي اللبنانية نتيجة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه. ترك هذا الانسحاب لإيران ملء الفراغ الأمني في لبنان، وهذا ما سارع “حزب الله” إلى عمله بصفة كونه أحد ألوية “الحرس الثوري” الإيراني لا أكثر…

بعد عشرين عاماً على الانسحاب الإسرائيلي، أين إسرائيل وأين لبنان؟ تستعدّ إسرائيل حالياً لتكريس احتلالها لجزء من الضفّة الغربية وللأغوار بعدما انتهت من ضمّ القدس التي انتقلت إليها السفارة الأميركية في عهد دونالد ترامب. لم تكن لدى إسرائيل أهداف محدّدة في جنوب لبنان، وذلك في مرحلة ما بعد حرب صيف العام 1982. وجدت وقتذاك أنّ ثمن بقائها فيه سيكلّفها مقتل عدد من جنودها سنوياً، فضّلت الانسحاب. في المقابل، قرّرت التمسّك بالبقاء في الضفّة الغربية، بغضّ النظر عن عدد الجنود الذين ستفقدهم فيها، في ضوء امتلاكها هدفاً واضحاً محدّداً جدّاً وبدقّة هناك.

بدل أن يفهم لبنان أن عليه الاستفادة إلى أبعد حدود من الانسحاب الإسرائيلي، إذا به يجد من يختلق قضيّة مزارع شبعا لتبرير بقاء سلاح “المقاومة”، وهو سلاح موجّه إلى صدور اللبنانيين العزّل خدمة لمشروع سوري – إيراني في البداية ما لبث أن تحوّل إلى مشروع إيراني لا أفق له سوى تدمير البلد على أبنائه وإنهاء دوره المميّز في المنطقة.

بعد عشرين عاماً على الانسحاب الإسرائيلي، يمر لبنان في أسوأ مرحلة مرّ بها منذ استقلاله، بل منذ إعلان “لبنان الكبير” قبل قرن من الزمن في الأوّل من أيلول من العام 1920. لا يوجد من يريد الاتعاظ وبلوغ استنتاج مفيد فحواه أن الانتصار على لبنان ليس بديلاً من الانتصار على إسرائيل صاحبة الحسابات التي تصبّ في مكان آخر، أي في حرمان الفلسطينيين من حقوقهم وأرضهم ولا شيء آخر غير ذلك.


كان المسيحيون في الماضي قدوة في هذا المجال. باتوا حالياً، باستثناءات قليلة جدّاً، أسرى الوصول إلى رئاسة الجمهورية بفضل “حزب الله” ولا أحد غيره


كان الانسحاب الإسرائيلي أحد المنعطفات المهمّة التي مرّ فيها لبنان في قرن من الزمن، لكنّه من أكثر المنعطفات خطورة نظراً إلى أنّه كشف مدى عدوانية المشروع التوسّعي الإيراني الذي يستهدف لبنان مباشرة عبر الرغبة في تغيير طبيعة المجتمع الشيعي وصولاً إلى تغيير طبيعة البلد بكلّ طوائفه ومذاهبه ومناطقه. من أسوأ ما حصل في السنوات العشرين الماضية، إضافة إلى أن “حزب الله” صار من يقرّر من هو رئيس الجمهورية المسيحي ورئيس مجلس الوزراء السنّي، انهيار النظام المصرفي اللبناني وبداية انهيار للنظام التعليمي. أن يقرّر “حزب الله” من هو رئيس الجمهورية ومن هو رئيس الوزراء، هو في خطورة توقيع اتفاق القاهرة في العام 1969.

يبقى أن الطامة الكبرى في لبنان غياب من يقول الأشياء كما هي، بما في ذلك أن لبنان لم يستطع الاستفادة من الانسحاب الإسرائيلي لأسباب أكثر من معروفة. في مقدّم هذه الأسباب أن لبنان لم يعد يمتلك في أيّامنا هذه قيادة سياسية قادرة على التحذير بالصوت الملآن، بلسان المسيحيين قبل المسلمين، من خطورة أيّ سلاح غير شرعي على بلدهم ومستقبله. كان المسيحيون في الماضي قدوة في هذا المجال. باتوا حالياً، باستثناءات قليلة جدّاً، أسرى الوصول إلى رئاسة الجمهورية بفضل “حزب الله” ولا أحد غيره.

يحصد لبنان حالياً نتيجة رفع شعار من نوع “الشعب، الجيش، المقاومة”، وهو الشعار الذي قاد إلى الكارثة الحالية… كارثة إفقار لبنان واللبنانيين ودفع الشباب إلى هجرة جماعية على غرار تلك حدثت في الأعوام 1988 و1989  و1990، عندما مكث ميشال عون للمرّة الأولى في القصر الجمهوري …

المصدرأساس
رابط مختصر