“رصيف الثورة” في طرابلس يتمدد

19 فبراير 2019
beirut News
مقالات
الكيل طفح، وقررنا النزول إلى الشارع"
beirut News
[author title=”جنى الدهيبي” image=”https://www.almodon.com/File/GetImageCustom/314f247a-31be-4387-8e23-cbc5d33e5730/104/118″][/author]
ثمّة بوادر لانتفاضة شعبيّة في عاصمة الشمال. وهي إن بدتْ بطيئة وخجولة، لكنّ شرارتها اشتعلت. يكفي أن تتأمل بوادرها من مدخل طرابلس الجنوبي، في ساحة عبدالحميد كرامي، المعروفة  بساحة النور. وعلى واحد من أرصفة الساحة الشهيرة، التي تعلوها صور الولاء العملاقة لرئيس الحكومة سعد الحريري وتيّاره الأزرق، نُصّبت أربع خيمٍ لاعتصامٍ مفتوح، يحمل شعار “وجعي وجعك”.

هذا الاعتصام، الذي بدأت به “حركة ردّة فعل – حرف” في طرابلس، يبدو أنّه آخذٌ بالتمدد. وجوه المقيمين في خيم الاعتصام، تحكي كلّ شيء. عتبٌ، غضب، رفض، يأس، نقص، حرمان وكفرٌ بالطبقة السياسة كلّها. “ثقتنا بمكان، وثقتهم بمكانٍ آخر”، يقول أحد المعتصمين. هذا الاعتصام، هو “رفضٌ للوضع الذي وصلت إليه البلاد، ورفضٌ لانتحار العباد”، و”رفضٌ للفساد وانهيار البلد”، هكذا أعلنت عنه “حرف”. وتوعدت البقاء في الشارع، إلى أن تعود “الحياة بطبيعتها ويرفع للظلم، ويتحرك المسؤولون لخدمة المواطنين، وتتحرك مؤسسات الدولة لخدمة الشعب بطريقة لائقة تحفظ كرامته”.

ما يعني حُكمًا، أنّ لا جديد في شعارات أفدى بعض اللبنانيين حياتهم لأجل المطالبة بها، من دون جدوى. فما هو الأمل من هذا الاعتصام المفتوح؟

طرابلس الأكثر مظلومية
لا ينفصل هذا التحرك، مثل غيره، عن إعادة إحياء مشاعر “المظلومية” في نفوس أهالي المدينة، اليائسين وغير اليائسين من التغيير. الكلّ يحكي عن عدم ردّ الجميل. عند كلّ استحقاقٍ انتخابي، يؤججون عواطفهم، يعيدون إحياء غزائزهم،  يعززون عداءهم مع “محور فارسي” يجتاح بلادهم، ثمّ ينساقون خلفهم، ينزلون إلى الشارع في تظاهراتهم، يرفعون أعلامهم، يهتفون باسمهم، يفدونهم بروحهم ودمهم، إلى أن يعطوهم أصواتهم في صناديق الاقتراع. وهنا، ينتهي “الفيلم المحروق”، حتّى تبدأ صحوة: ماذا أخذنا من كلّ هذا الولاء؟ لا شيء طبعًا.

يصرّ الطرابلسيون على إيمانهم بفكرة أنهم “الأكثر تعرضاً للظلم”، من أداء السلطة المحلية (البلدية) والدولة تجاههم. هي مدينة اللا مشاريع واللا إنماء والمرافئ المعطلة، ومدينة الفقر والبطالة والعزلة وانهيار البنى التحتيّة. وهي في المقابل، المدينة الأكثر اندفاعًا تجاه قياداتها ورموزها. كلّ ما فيها يحكي عن ذلك. أحياؤها، شوارعها، أبنيتها وأسواقها ومحالها ومداخلها ترفع صور زعاماتها السياسية والأمنيّة. وفي المقابل أيضًا، السواد الأعظم فيها، يشتم هذه الزعامات ويعلن نقمته عليها. إنّها مدينة التناقضات. و”رصيف الثورة” في ساحة النور، الذي تعلوه صور الحريري، أكثر تعبيرًا على هذا التناقض الصارخ.

الانتحار الإجباري
فكرة الاعتصام بدأت قبل أشهر، حسب ما يروي أحد مؤسسي حركة “حرف”، الصحافي عمر السيد. في البدء: “قمنا بنوع من الإحصاءات حول حاجات أهالي المدينة. لكن الكيل طفح، وقررنا النزول إلى الشارع، بعد أن قام فادي رعد بتخييط فمه للاعتصام في ساحة النور، وبعد أن أضرم جورج زريق النار بجسده، ووجدنا أنّ السكوت معيب بحقّنا جميعًا”.

يشير السيد أنهم تواصلوا مع الصليب الأحمر، للاستفسار عن نسبة حالات الذين يموتون إثر جلطة دماغية أو ذبحة قلبية، فوجدنا أنّ الأعداد أصبحت مضاعفة مقارنة مع الفترة السابقة. و”هذا مؤشر خطير، لأنه أشبه بانتحار إجباري لا إرادي، لا تختلف أسبابه عن دوافع من ينتحرون بقرارٍ منهم، نتيجة الظروف المعيشية الصعبة، والضغوط التي تفوق قدرتنا على التحمل”.

“هنّي عم يغنوا ونحن عم نطفر”، من هنا، تتوسع دائرة النقاش بين المقيمين والزائزين للخيمة، ويبدأ بسرد حالات ومشاهد غير مسبوقة في طرابلس. في الفترة الأخيرة، “أصبحنا نشاهد أشخاصاً يحكون مع أنفسهم في الطرقات، هناك المئات يموتون لأنهم لا يملكون فاتورة الدواء، وأولاد يتسولون ولم يتسجلوا في المدرسة الرسمية، لأن آباءهم لا يملكون أجرة تنقلاتهم”.

القاعدة تتوسع
منذ أن بدأ “حركة ردة فعل” بتنصيب خيمتها، انضمت لها مجموعة “حلنا بقا”، التي تواجه رئيس بلدية طرابلس أحمد قمر الدين، وحزب سبعة، وخيمة الشهيد نزيه حمود، وحزب الطليعة.. وهناك حركات وتيارات معارضة تتواصل، للانضمام إليهم. الناس على الطرقات، تسألهم عن سبب اعتصامهم. منهم من يعلن رغبته بالانضمام، ومنهم من يشكي همومه ثم يمضي. والدرس الذي تعلمه أصحاب هذا الاعتصام، من الاعتصامات المدنية السابقة، حسب نور غريب من “حركة ردة فعل”، هو أن يضعوا الهدف المعيشي أولًا، وأن يقطعوا الطريق على تسلل أصحاب السلطة لتفشيل تحركهم، وأن يحكي الكل باسم الجميع، بعيدًا عن منطق الرئيس والمرؤوس، حتى لا يقعوا في فخّ تضخم “الأنا”، التي قضت على كثير من التحركات السابقة.

حاليًا، يتحضر ممثلو التحرك إلى تنظيم ورقة بلائحة مطالبهم، ومن ثم عقد مؤتمر صحافي للإعلان عنها، وهي ستكون مطالب موحدة وجامعة لأهالي المدينة، إنمائيًا ومعيشيًا، قبل أن يبدأوا بدعوة المواطنين رسميًا للانضمام إليهم. من جهته، يشير علي جوهر من تحرك “حلنا بقا”، أنّ اصلاح العمل البلدي هو أحد أهم أهداف الاعتصام، الذي ينتظر على أحر من الجمر موعد طرح الثقة برئيس البلدية أحمد قمر الدين في أيار المقبل، “لأنه لم يتحمل مسؤولياته تجاه المدينة على الإطلاق”.

“الوعد السعد”
وإذا كان شعار حكومة الرئيس الحريري “إلى العمل”، وفق عضو بلدية طرابلس الدكتور باسم بخاش، فـ”إننا ندعو الحريري لأن تبدأ حكومته بالعمل انطلاقًا من طرابلس، وأن يكون لهذه المدينة حصتها من مخصصات مؤتمر سيدر، لأنها الأكثر حرمانًا على مختلف المستويات، وإلا لن يكون هذا العمل مثمرًا”.

في الواقع، يبدو أنّ أهالي طرابلس ما زالوا بانتظار “الوعد السعد” بـ 999 ألف وظيفة، التي لم ينل منها أي طرابلسي وظيفةً واحدة حتّى الآن، وإنما ازدادوا فقرًا وبطالة. وحالهم، يشبه حال أهالي الموقوفين الإسلاميين، الذين نصبوا خيمةً داخل مستديرة ساحة النور، وتحت اسم الجلالة “الله”، أعلنوا البقاء في خيمتهم، “نصرةً لمظلومية أبنائنا، الذين يدفعون ثمن تسليح السياسيين لهم”، حسب ما تروي والدة أحد الإسلاميين. وهم أيضًا، أعلنوا أنهم لن يزيلوا خيمتهم ولن يفكوا اعتصاهم، إلا حين “يفي سعد الحريري بوعده لنا، ويقرّ في حكومته الجديدة قانون العفو العام”.

وفي كلا الحالتين، يبدو أن هذا الانتظار طويل، ولأجلٍ غير مسمى، ويشبه “انتظار غودو” الذي لا يجيء.

المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع “بيروت نيوز” بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و”الموقع” غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.

الاخبار العاجلة