خاص :من الطفولة إلى الجامعة إلى المجتمع الأكبر والوظيفة مرض نفسي واكتئاب فانتحار، قصة فتاة تختصر مجتمعنا

beirut News
2019-02-20T11:25:06+02:00
مقالات
beirut News20 فبراير 2019
خاص :من الطفولة إلى الجامعة إلى المجتمع الأكبر والوظيفة مرض نفسي واكتئاب فانتحار، قصة فتاة تختصر مجتمعنا
beirut News

[author title=”نعمت الرفاعي” image=””][/author]

قصص الانتحار المتفشية في لبنان في الآونة الأخيرة تخطت الحد وكان آخرها شاب يافع من إحدى القرى الساحلية في سهل عكار شمال لبنان..

قصة رويدا لا تختلف عن باقي قصص الانتحار، لعل القصص تكمن في التفاصيل، تفاصيل العيش والإرادة والتحدي قد يختلف من شخص لآخر… ما حدث مع تلك الصبية التي تعرفت عليها بزيارة حين، تتعلم الماجستير في كلية إدارة الأعمال أواخر العام 2010.
الخطوَ للحلم عندها، الماجستير كان بداية الطريق للوصول إلى الهاوية، فهي منذ صغرها، أرادت بعزيمتها أن تتفوق فكل سنين دراستها بحسب وصف كل من عرفها في المرتبة الأولى مذ أن كانت طفلة، لتجابه رفض أباها في الدخول إلى الجامعة. كانت هذه الفتاة مادة دسمة لموضوعاتي حين أتكلم عن الأطفال. رحلة الماجستير بالنسبة لها رفيقات يسعين للاحتيال عليها لسرقة موضوعها لعدم قدرتهن على استنباط فكرة البحث وكان الدكتور(…) مشرف الرسالة فيما بعد في كلية إدارة الأعمال قد ساعد في ذلك…
كان مشروعها عن كيفية الاستثمار في بنك البركة كنموذج إسلامي بديلا عن الموضوع المسروق حين أقنعها دكتورها بفكرة الدمج عبر الاحتيال عليها بصفة عاشق، ففي البداية، أي بداية القصة أوهمها بإعجابه بها وأخفى عليها أنه متأهل له أولاد..
وحتى فتراتها الأخيرة في الحياة، كانت الخيبة تبدو في عينيها حين تتذكره بصدى تلك التنهيدة
بعد فترة اكتشفت أنها خُدعت منه (دون ذكر تفاصيل أكثر) حين خسرت مشروعها أصابها نوع من الإحباط الكلّي يودي إلى الاكتئاب، كأي ناجح يُحاول الآخرون عرقلته…

بنفس الفترة تقريبا عُرض عليها أن تقدِم على وظيفة دولة، ومن منا لا يحلم بمعاش ثابت في دوائر الدولة (تعب أقل ومعاش أحسن من غير وظايف)، حينها نجحت بها بامتياز لوظيفين شاغرتين في بلدية طرابلس ومصلحة مياه في منطقة المنية، ولكن اختارت بلدية طرابلس…
وهنا بدأت القصة المؤرجحة بين قبول الوظيفة من قبل أهلها والضغط النفسي الممارس عليها من قبل دكتورها أو لنقل حبيبها، وهنا بدأ التلاعب الصريح، فالحب أحيانا يفضي إلى المَوت ولو بعد حين..
قطع الدكتور اتصالاته بها، بذريعة أن امرأته كشفت أمرهما، أي في حينها اكتشفت من جديد أنها كانت ضحية لعبة ليس إلا (وافتتضح أمر زواجه المخفي عنها) ، وأضحت امرأته ترد على اتصالاتها بدلاً منه..
ذهبت الفتاة إلى العمل الجديد برباطة جأش لا تحسد عليه، ولكن يبدو أن انكسارها النفسي كان أعمق بكثير من الظنون… استكمالا لما مرت به وما زاد الطين بلة إفشاء ما في داخلنا أمام الغرباء (زملاء العمل) أكبر جريمة ندفع ثمنها الحياة. فحاول من في وظيفتها استفزازها بلا رحمة، الزملاء الذين خططوا ودبروا وافتعلوا لها المشاكل حتى رفدت من العمل، بإعطائها إجازات مرضية تمهيدا لطردها فعليا من بلدية طرابلس حسب روايات الفتاة وأختها.. ولعل اسم الدكتور(…) ما زال يطاردها حيث أنها بدأت تخسر مجددا وظيفتها مع شخص يحمل نفس الإسم حسب ما تبين لنا حين لفظت اسمه احدى موظفات البلدية.
وحسب مصادر أخرى اعترفت سرًا إحدى الصديقات أن أحد المعجبين في العمل وقف في طريقها عدة مرات، ما سبب لها مشكلة نفسية، فتركت العمل فترة للعلاج النفسي ولكن قصتها بدأت بالتطور أكثر وأكثر، وصدى القصة لم يتوقف حين علمت المديرة المسؤولة عنها (…) قد اتخذت قرارا ذايتا بالتحري ضدها وأوصلت لرئيس البلدية الاسبق (نتحفظ عن ذكر الإسم) قصتها ووقع عريضة بالطرد العام دون أي شعور بالذنب ودون حس المسؤولية ومتابعة الظرف التي آلت إليه الفتاة في مؤسستهم، ومنعها من التقدم لأي حقل عام بالدولة ليقطع عليها الطريق. علماً وتأكيدًا أن الفتاة كانت طبيعية جدًا أثناء حصولها على الوظيفة. مما أدخل المسكينة في موجة جديدة من الشلل النفسي فحاولت الانتحار بأدويتها النفسية عدة مرات، حيث أفشل أهلها محاولاتها السابقة بالهروع بها إلى المستشفى وغسيل معدتها من آثار الموت…
ولكن ما آلت إليه الأمور في الأشهر الأخيرة، واليأس التام أسلكاها طرق أقصر للموت، فكانت تردد كثيرا في أيامها الأخيرة عن الراحة في الموت والحياة الجحيمة
كانت أختها قد أرفقتني معها في زيارة أحد نواب منطقتها في بيته محاولة إرجاعها إلى عملها.. ولكن دون جدوى، فقد أجرى إتصالا هاتفيا بمديرتها التي قطعت الطريق مجددا على رويدا وأغلقت منافذ الفرج من جديد (هذه المرأة ذات يوم أقنعت أختها بأخذها إلى المصحة العقلية وكان هناك اتفاق سري بيبنها وبين الدكتور المعالج لتسهيل طردها بحجة خلل عقلي)، فكان القرار بالرفد الكلي من العمل قد أعادها محبطة خرجت من هناك وهي تنهال بالدعاء على كل من ظلم..
كانت على وشك بدأ طريق جديد حيث تسجلت ذلك العام وسجلت المشروع التي ستأخذه، لكن على الأغلب تغيرت قرارتها لاحقا…
خرجت رابحة منذ أقل من اسبوع من المصحة العقلية تحت كفالة أختها وإنذار حاد من طبيبها النفسي (…) ، وأنها غير مؤهلة نفسيا للعودة للحياة الخارجية دون أن يذكر الأسباب، فالله وحده يعلم ماذا جرى لها داخل المصح أيضا، وهو السبب الأكبر الذي جعل الفتاة ترمي بنفسها قبل انتهاء فترة نقاهتها والعودة إلى هناك…
فاشتياقها لأمها (المقعدة جراء كسر وركها) قد أودى بها حيث أرسلت بجلبها لرؤيتها، وعدم مداركتها والقدرة على إعطاءها أدويتها، فالفتاة قد اتخذت مسبقا طريق الموت..
ففي الساعة الثانية تمت العملية من نهار السبت من شهر آب صيفا… وهذه المرة لم يستطع أحد انقاذها، فكانت الجولة الأخيرة من صراعاتها مع المآسي
انتقلت الآن إلى حياة أخرى، دنيا أخرى فيها فقط ثواب وعقاب.
قصة ر. ليست قصة الانتحار الوحيدة، بل هناك من يموت كل يوم ألف مرة على قيد الحياة. قصتها تشبه قصص كثيرة بنيت على الغدر والغل والكراهية واليأس والاكتئاب ولجوء إلى الموت للخلاص من عذاب والبدء بعذاب آخر..
كقصص كثيرة تعكس الوضع في البلد من عطالة وبطالة وكيد وتخريب وتعطيل. أعاننا الله في كل حالاتنا… وأعاننا على الحياة في هذا البلد الخالي من أي حياة…

حاولنا الاتصال بأهلها، أجابت أختها بانهيار شديد، كيف فيني رد رويدا عايشة، بدي ياها حدي.. كنا سويا أينما ذهبنا في الضيعة، في المدرسة في الجامعة.. كيف فيني عيش هلأ بلاها؟ بدي ياها ترجع للحياة، بدي كزدرها وعدتها بكزدورة ما أخدتها آخر مرة..وأردفت حين سألناها عن تلقي الصدمة كنت بالمستشفى وقت اتصل بي جارنا وقال لي “في بنت كبت يمكن تكون أختك” .. لم أصدق وبعثت بأخي ليتحقق من الموضوع، ولكن للأسف الخبرية صحيحة..

بالمقابل حاولنا الاتصال بالبلدية لمعرفة أسباب انتكاستها النفسية أثناء التحاقها بوظيفة البلدية والاسنادات التي تم الاعتماد عليها لطردها ومعرفة التفاصيل فجاءت الردود مقتضبة وطلب منا عدم فتح الملف لحرمة الموت…
يبدو أنه التبس عليهم الفارق بين الموت والانتحار، أو أن حساسية هكذا موضوع ممكن أن تفتح عليهم المساءلات… فللقتل أنواع وأسلحة متعددة، فدفع أحدهم إلى الانتحار والموت النفسي والاجتماعي هي من أفتك الأسلحة التي قد تُشَرَّع بوجه أحدهم..

يبقى التساؤل الكبير، كيف سيكمل حياته كل ظالم، سبب الأذية للآخرين؟ ألا يخشون عقاب الله لهم؟
ألا يوجد لمن يقوم بهكذا أفعال رادع ديني أو أخلاقي؟
أم أن المناصب قد تعمي أصحابها عن رؤية الواقع والحق؟
من المسؤول عن متابعة هكذا ملفات للحد من الأمراض النفسية التي تجتاح مجتمعنا؟ ومن يتابع المسؤولين المجرمين في مواقع المسؤولية حين يتمادون في الإفساد والفساد؟؟؟؟؟؟

لعل قصة ر. هي من اكثر القصص التي تختذل التربية والمجتمع والدولة، وكيف يكون الإنسان عدو نفسه والحياة.

المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع “بيروت نيوز” بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و”الموقع” غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.

رابط مختصر