إين تركيا في لبنان؟

30 ديسمبر 2019
إين تركيا في لبنان؟
beirut News

ليس إعلان تركيا الدخول عسكرياً الى الساحة الليبية حدثاً عابراً، بل يأتي تكريساً لتوسع الدور التركي بخطى ثابتة في المنطقة منذ حوالى 12 عاماً، أي منذ الولاية الثانية لحزب “العدالة والتنمية” الحاكم بقيادة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. ذاك أن الفارق كبير اليوم بين دخول قوات تركية إلى ليبيا البعيدة أكثر من ألفي كيلومتر عن حدود تركيا، وبين وجودها في الداخل السوري أو العراقي المجاور وحيث تهديد “حزب العمال الكردستاني” واضح ومقبول غالباً كحجة للتدخل. لكن الدخول إلى ليبيا، يُدشّن مرحلة جديدة من الدور التركي في المنطقة، ومن ضمنها لبنان أيضاً.

من المهم دحض الأسطورة المؤسسة للدور التركي الجديد، أي حماية حق الشعوب العربية والإسلامية في تقرير مصيرها، والدفاع عن حقوقها. في الظاهر، تدخل تركيا إلى ليبيا بناء على طلب حكومة معترف بها دولياً (تماماً مثل روسيا في سوريا). لكنها تدخل طرابلس لاعباً اقليمياً يستمد “شرعية” شعبية من الإرث المثير للجدل للامبراطورية العثمانية. والسياسة الخارجية للحزب الحاكم في تركيا، كانت انحرفت عن المسار الأوروبي-الغربي في الولاية الثانية له (2007)، شرقاً وباتجاهات فاجأت المراقبين الغربيين.

تُوحي هذه السياسة النيو-عثمانية بالتزام عميق باستعادة الخلافة ودورها. والحقيقة أن الخريطة العثمانية التي أعاد الموالون لأنقرة إحياءها، هي جزء من “عدة الشغل”، ولا تُمثل محركاً أو موجهاً للسياسة التركية التي تتحكم فيها المصالح الاقتصادية والأمن القومي والصراع على التحكم بغاز حوض البحر المتوسط.

صحيح أن اسطنبول اليوم باتت عاصمة لجماعات “الإخوان” من مصر إلى ليبيا واليمن وموريتانيا والصومال، وأنها تلعب دوراً سياسياً وثقافياً محورياً لإسلاميي المنطقة. لكن العلاقة بالإخوان والدفاع عنهم غير كافية لوصف السياسة الخارجية التركية، تماماً كما لا يُمكن تفسير السياسة الخارجية الايرانية برعايتها الإسلام الشيعي بصيغته الخمينية. لم يُمانع معممو النظام الإيراني من تسليم رقاب الشيعة الأفغان بقيادة الإسلامي بابا علي مزاري في 11-12 شباط (فبراير) عام 1993، إلى قوات أحمد شاه مسعود وبرهان الدين رباني إبان الحرب الأهلية. شكا الشيعة الهزارة حينها من أن الإيرانيين فضلوا “الفارسي الأبيض” برهان الدين رباني، وهو سُنّي سلفي على ذوي الأصول المنغولية من الخمينيين الشيعة. وفقاً لرواية قيادي في المعركة يُدعى فولاد رحمن، فإن الهند دعمت الشيعة، فيما اختارت ايران الوقوف إلى جانب مسعود ورباني. لم تكن القيادة الإيرانية تحسب خطواتها اثنياً، كما اعتقد بعض الشيعة الأفغان، لكنها ارتأت انتهاج سياسة أكثر حنكة في دولة مجاورة، ولم تحصر أوراقها بأقلية صغيرة على بقعة محدودة من المساحة الأفغانية. سلوكها في العراق أيضاً مماثل، إذ تتجاوز تحالفاتها الشيعة، إلى بعض السنة والأكراد وعلى رأسهم حزب “الاتحاد الوطني الكردستاني”.

من هذه البوابة بإمكاننا فهم العلاقة التركية – الروسية. تركيا العلمانية وقفت إلى جانب الشيشان في تسعينات القرن الماضي، ولكن تركيا بقيادتها الإسلامية اليوم لا تمانع غض الطرف عن الارتكابات الروسية في إدلب، أو السياسات الصينية بحق المسلمين الأويغور) ذوي الثقافة التركية في شينجياغ (سنجان). ليست الإيديولوجيا عقبة أمام المصالح الكبرى.

لذا بالإمكان فهم الحضور التركي اليوم في ليبيا، في سياق الاصطفاف الاقليمي ضد تركيا في موضوع استكشاف الغاز واستخراجه، سيما مع احتدام هذا التنافس اثر إعلان القاهرة ولادة منتدى غاز شرق المتوسط مطلع هذا العام، وبدء الأتراك عمليات استكشاف الغاز قرب الشطر التركي من قبرص. وبإمكاننا أيضاً طرح أسئلة عن احتمالات التنسيق التركي-الروسي في ليبيا، في مقابل الأدوار الغربية والعربية فيه. ذلك أن العلاقة التركية-الروسية دخلت مرحلة متقدمة من التنسيق بعد حادث اسقاط تركيا طائرة “سوخوي 24” الروسية في 24 تشرين الثاني (نوفمبر) عام 2015. أسهمت هذه الحادثة في خلق انعطافة تركية باتجاه التعاون مع روسيا بعيداً عن الحلفاء التقليديين لأنقرة.

وفي لبنان أيضاً علينا التأمل في هذا الصعود التركي ومعانيه، سيما أننا أمام مخاض داخلي عسير يمتاز بضعف القيادة لدى المكون السني اللبناني، عرّضه بالتالي لتدخل خارجي بحجة تصويب التوازن الطائفي. بيد أن تركيا أكثر نشاطاً، دبلوماسياً وتنموياً وثقافياً منذ قرابة 15 عاماً. الأقلية التركمانية اللبنانية باتت أكثر تنظيماً وارتباطاً بتركيا مما كانت عليه قبل وفود “العدالة والتنمية”. كما تنشط “وكالة التنمية التركية”، والمراكز الثقافية التركية على الأراضي اللبنانية (عدا عن الغزو اللطيف للمسلسلات التركية المُدبلجة). وهذا الدور إشكالي في لبنان، نظراً لإرث السلطنة العثمانية فيه، وأيضاً لوجود أقلية أرمنية ذات ثقل سياسي وتاريخي. من علامات هذا الدور، أن كل تظاهرة أو احتجاج الأرمني ضد تركيا، يستدعي حشداً موالياً لـ”العدالة والتنمية” من اللبنانيين. هل يُعقل أن تصير ذكرى “المحرقة الأرمنية” موضع جدل في لبنان حيث لجأ آلاف الناجين منها؟

من الضروري أن نرى في لبنان هذا التدخل في ليبيا، بعين اشكالية، سيما أننا في موقع ضعيف، اقتصادياً ومالياً وسياسياً. وما يزيد من عُرضتنا للتدخل الخارجي أننا شركاء في ثروة الغاز شرقي المتوسط، وأن الأدوار الاقليمية في هذا البلد من “عدة الشغل” السياسي. ولكننا أيضاً أصحاب تجربة متواصلة ومتكررة مع التدخل الخارجي وعايشنا مآسيه، ويجب ألا نفتح باباً جديداً لا يُمكننا إغلاقه.