استعصاء الوضع اللبناني: الاستسلام أو الخضوع أو الانتحار!

7 يوليو 2020
استعصاء الوضع اللبناني: الاستسلام أو الخضوع أو الانتحار!
رضوان السيد
رضوان السيد

… وكان الاستسلام للسلاح هو موقف الطبقة السياسية والقيادات الإدارية في الدولة اللبنانية العتيدة. وقد كان استسلاماً لذيذاً، باعتبار أنّه وفي هذا العهد الميمون، وفي مقابل إزالة الحدود بين الدولة والدويلة، أُعطيت الطبقة السياسية جماعاتٍ وأفراداً “حقوق وامتيازات” النهب والسلب في سائر المرافق والمصالح. فالمقاومة الخالدة التي وجدت أنّه من الضروري لمتابعة الكفاح ضد العدو الصهيوني بالطبع، الاستيلاء على المطار، والمرفأ، وبيروت، والمعابر الحدودية مع سورية، غضّت النظر، شهامةً وكرماً، عن نهب الحلفاء وأهل التسوية سائر المرافق والجهات!

لقد كان استسلاماً لذيذاً لأنّه حافلٌ بالفوائد المادية والمراكز. وقد كان كلٌّ منهم، خلال تنافسهم على المال السائبّ يرمي المسؤولية على عاتق جاره أو خصمه ولا فرق، ما دام الزعيم غاضّاً للنظر، بل ومستعداً للتدخل عبر مبعوثيه من أجل الإصلاح!

أما اليوم، وبعد انتفاضة تشرين الأوّل من العام الماضي، التي اقترنت مع الانهيار الاقتصادي والمالي والنقدي.. والسياسي والاجتماعي؛ فإنّ الاستسلام صار مُرّاً كما يقال.

قال سياسيٌّ عراقيٌّ مشبِّهاً الوضع في لبنان بأوضاع العراق: نحن وإياكم أيها السياسيون اللبنانيون الذين لا تحملون السلاح كمن يلحس أو يتلذّذ بلحس المبرد(!). لقد ذابت الألسنة والغلاصيم من زمان، والذي ضرب ضرب، والذي هرب هرب، ودخل الذين ما استطاعوا الهرب بالمال المنهوب، أو بأنفُسهم، أو الأمرين معاً، في مرحلة الخضوع أو الإخضاع. ومعالم المرحلة الجديدة هي كما يلي: إذا أردْتَ نصرة “المقاومة” وشنَّ الحرب على الأعداء فيما بين لبنان وسورية والعراق واليمن وإيران وأفغانستان وفنزويلا، فعليكَ بالزعيم. وإذا أردْتَ المسالمة والاستخذاء والتوقّي من الأضرار بقدر الإمكان، رجاء العودة للمرحلة السابقة، مرحلة الاستسلام اللذيذ ولو في الخيال، فعليك بالرئيس نبيه بري. وإذا أردتَ الأمن بكافة أشكاله وأنواعه وحتى “أمن الدولار”، وبكافة أشكاله وأنواعه فعليك بمدير الأمن العام. وإذا أردتَ أن تكتشف أنواع الاتهام بالفساد، فعليك بالنائب العام المالي. هي الإدارة التي تلبس عباءة الوسطية الشيعية، أو أنّ هذه هي معالمها في المرحلة الحالية: مرحلة الخضوع الخانع، بعد نفاد زمن الاستسلام اللذيذ!

إنّ المشكلة في مرحلة الخضوع، أنه ليس فيها ولا معها مُقاصّة مضمونة أو ممكنة. أيام الفلسطينيين كانوا يوزّعون شوارع بيروت وطرابلس وصيدا وأحيائها بين “القبضايات”. لكن في العام 1982 ومع الاجتياح الإسرائيلي، هجم الفلسطينيون على حلفاء الأحياء لإعادة تنظيمهم من أجل مواجهة العدو الصهيوني! وتمرّد زعيمان منهم على الأقلّ وقالوا: المناقرات بين قبضايات الشوارع غير ما تدعوننا إليه الآن، نحن منسحبون! وهكذا الأمر مع حلفاء الحزب وأتباعه الآن: المقاومة محتاجة للمزيد من كلّ شيء، وقد شحَّ كلّ شيء، فهي مضطرة لأخذ كلّ البقايا، وقد تحتاج أيضاً إلى أخذ بعض ما غنموه بحمايتها، وهذا فضلاً عن مطلب “قتل الدولار” من جانب الزعيم، وفي الوقت نفسه توريد كلّ شيء (وليس تهريبه لأنه حقٌّ بالطبع) إلى سورية وغير سورية! والردّ على الهجوم الأميركي.


اليوم، وبعد انتفاضة تشرين الأوّل من العام الماضي، التي اقترنت مع الانهيار الاقتصادي والمالي والنقدي.. والسياسي والاجتماعي؛ فإنّ الاستسلام صار مُرّاً كما يقال


لقد أقام الإيرانيون أوثاناً في كلّ مكان، في لبنان وسورية والعراق، بعد إيران بالطبع. وربما اقتنعوا أو اقتنع المحتشدون من حولها أنّ بعضها لم يعد ضرورياً أو لم تعد حمايته ممكنة؛ إنما من يجرؤ على التبرؤ، أو مَنْ يجرؤ – كما في القصص العربية على ألسنة الحيوانات – على تعليق الجرس في عنق القطّ، إنذاراً للفئران منه أو إعلاناً لها عن حضوره المخيف؟!

صفوف الخضوع الخانع فيما بين الخوف من تجهّم الزعيم وكفيل أمن الدولار، تتصدّع، وما كان المتوقَّع غير ذلك. فهذا هو موقف الطبقة السياسية كلها وعلى رأسها العهد وعبقريوه (المكافحون للفسَاد، تصوّروا!)، وبالطبع الحكومة ورئيسها أو رئيسها وهي أو وهُنّ.

لقد صنّف بعض الظرفاء الحكومة الإنقاذية في أربع أصناف: فَشَر (رئيس الحكومة)، وكَدَر (وزيرة العدل التي لا تقول إلاّ ما يكدّر)، وعكر وغجر (وهذان اسمان لوزيرين أو وزير ووزيرة، لكنّها ألقابٌ تنطبق على سائر الوزراء الآخرين)! 

لدى الحكومة مهمةٌ أخيرةٌ قبل سقوطها تحت الطاولة، وهي إفشال المفاوضات مع صندوق النقد الدولي. فنياً بسبب تناقض المقاربات والأرقام، وفعلياً لنُصرة أطروحة الزعيم بالاتجاه إلى الاقتصاد المشرقي.

على الحكومة لأنّها حكومة المقاومة الخالدة أن تشنَّ الحرب على أميركا والعرب المتآمرين، وقد قال ابن رشيق قديماً:

مما يزهدني في أرض أندلسٍ                 ألقاب معتمدٍ فيها ومعتضدِ

ألقاب مملكةٍ في غير موضعها                كالهرّ يحكي انتفاخاً صَولة الأسدِ

وسطوة الأسد المدّعاة حاضرة في كلّ كلمة يُنعم دولة الرئيس على الناس بإلقائها، حافلة بالتهديد والوعيد وإعلانات عن إحباط انقلاباتٍ عليه. وفي آخِر كلماته الخالدة حملةٌ على سفيرة الولايات المتحدة، والسفارة السعودية. وهذه هي مهمته الحقيقية صدِّقوني، حتى يضطر الذين ما يزالون على علاقةٍ أو أملٍ بوطن الأرز من دوليين وعرب، إلى قطْعها، لأن الزعيم وحسان دياب مستغنون عنهم!

وبالطبع لا يمكن الزعم أنّ الشبان في الشارع وفي وسائل الإعلام، كانوا مُخامرين للزعيم أو حلفائه. وما بذل العهد وأعلامه جهداً كبيراً في سبيل كسبهم لأنّه غير ممكن. أما الثُنائي الشيعي فكان ضدّ الحراك الشعبي منذ البداية. إذ اعتاد جمهور الثنائي على العراضات الانتصارية المسلحة التي يقومون بها هم، أو يحتشدون لسماع خطابٍ من الزعيم. أما أن ينزل إلى الشارع شاباتٌ وشبان ومعهم أطفالهم ليقولوا للطبقة السياسية: كلن يعني كلن! فهذا أمرٌ لم يعتادواعليه، ولذلك قرّروا مواجهته بعد تردّد الجيش والقوى الأمنية في البداية. وساعدتهم كورونا بعض الشيء. أما الواقع، فهو أنه اجتمعت على الحِراك أربعة أمراض:

– التخويف والإرعاب من جانب ميليشيات الثنائي.

– الاختراق من جانب تيار الزعيم بإيهام ذوي الميول اليسارية أنّ تحطيم المصارف هو الحلّ للخروج من الرأسمالية والغرب.

– كثرة القيادات ضمن الحراك بدون أهدافٍ واضحة ولا تنسيقيات فاعلة.

– والمرض الرابع اختراقات هو الأجهزة الحزبية والأمنية للعامة (السنيّة على وجه الخصوص) وإطلاقها لسدّ الشوارع وتخريب المؤسسات العامة والخاصة بحيث كرهها الناس، وفقدوا الثقة في إرادة الجيش والقوى الأمنية منع التخريب!

آخِر ما توصل إليه التفكير السياسي اللبناني العظيم، وسط انهيار الاقتصاد، وانفلات الدولار، وانتشار المجاعة، وشيوع الانتحار: تغيير الحكومة. حتى من بعض مَنْ جاءوا بها، ولهم وزراء عظام فيها من بين الفئات الأربع: الكدر والغجر والعكر والفشر.


آخِر ما توصل إليه التفكير السياسي اللبناني العظيم، وسط انهيار الاقتصاد، وانفلات الدولار، وانتشار المجاعة، وشيوع الانتحار: تغيير الحكومة


وهنا تفترق المرويات:

– أنصار الثنائي يقولون إنّ الزعيم ما وافق على شرط الغياب، هو وباسيل.

– وأنصار الأميركان يقولون إنهم هم لم يوافقوا رغم توسط الفرنسيين!

وهكذا فنحن الآن في حالة تخثُّرٍ واضطراب بين الأميركان والزعيم، أو بين أميركا وإيران. الزعيم يدفشنا باتجاه  الاقتصاد المشرقي والأمن المشرقي الذي يشبه الأوضاع الزاهرة في سورية والعراق وفنزويلا! والاقتصاد الغربي يشنُّ حرباً ما تعوّدها الزعيم وحزبه وهي حرب الدولار، بدأها مع إيران، والآن حطّت رحالها في سورية ولبنان، واللغة واضحة: إما سلاح الزعيم واقتصاده وعهده الميمون، أو لبنان الذي نعرفه باقتصاده الحرّ وجامعاته ومستشفياته ودستوره وشرعياته. الحزب يقول إنه يستطيع الصمود خمسة عشر عاماً، وشنّ الحرب أو الحروب من لبنان وسورية والعراق واليمن.. إلى فنزويلا والصين!

الواقع أنّ شائعات الحرب تصاعدت في الأسابيع الأخيرة، وبخاصةٍ أنّ الطائرات الحربية الإسرائيلية لا تغادر سماء لبنان الصافية في هذا الصيف المأساوي! وأنا أزعُمُ (ولستُ خبيراً عسكرياً!) أنّ الحرب مستبعَدة، لأنّ الزعيم قال إنّ بينه وبين العدو “قواعد اشتباك” لا يستطيع طرفٌ تجاوُزها وإلاّ وقعت الحرب. والصهاينة يقولون إنّهم لا يشعرون بخطرٍ يستدعي الحرب، وإذا شعروا فلن يتردّدوا، وهم يركِّزون جهودهم من سنوات على إخراج إيران من سورية وحسْب!


الحرب مستبعَدة، لأنّ الزعيم قال إنّ بينه وبين العدو “قواعد اشتباك” لا يستطيع طرفٌ تجاوُزها


ما تعوَّدَ اللبنانيون على تغييرٍ كبيرٍ بدون حرب وسلاح يلعلع. لكنّ الوضع الداخلي هو من السوء على الناس، بحيث يمكن أن يكون الدولار وحده هذه المرّة هو سبب التغيير بدون نارٍ ورصاص!

قلنا إنّ السلاح الموجَّه إلى رقاب اللبنانيين ونظام عيشهم، نقل حتّى الطبقة السياسية من حالة الاستسلام اللذيذ إلى حالة الخضوع الخانع. أما عامة المواطنين فدخلت في أحوال الجوع والانتحار الرمزي والفعلي!

في أحوال أقلّ هَولاً بكثيرٍ مما نحن فيه، كان وليد جنبلاط يخاطب الزعيم قائلاً: إلى أين؟! أما هذه الأيام، فإنّ الشيخ الجنبلاطي الكبير وقد كفّ عن السؤال والتساؤل مختارا الانكفاء. ولذلك ينصح بني قومه حرصاً على الأمن والسلامة أن يعتصموا بجبالهم، وأن يزرعوا حقولهم المهجورة اتقاءً للجوع؛ وقد جاء في “كليلة ودمنة”: في أزمنة العواصف والاضطرابات إحفظ رأسك! لكن في “كليلة ودمنة” أيضاً في موضعٍ آخر: صاحب السلطان كراكب الأسد، يخشاه الناس لموقعه، وهو أعرفُ بما هو فيه من أخطار!

أما الزعيم، فيعتبر أنّ الخيار بين السلاح والجوع واضح؛ فهو مع السلاح باعتباره اعتقاداً وممارسةً جرَّبها ونجح فيها. ألا ترون العمران والازدهار في سورية والعراق واليمن.. ولبنان؟!

الخيار الثالث المطروح بين الانكفاء والموت جوعا أو خضوعا هو ما ذهب إليه الرئيس السابق ميشال سليمان، ومعه بشكلٍ أوضح وأصرح البطريرك بشارة الراعي، يدعوان لحياد لبنان. أيام الرئيس السابق صدر إعلان بعبدا عن النأي بالنفس، فخرج عليه الزعيم ومضى للقتال في سورية والعراق واليمن.. إلخ، فجاء الدوليون والعرب لمحاصرة حزب السلاح في لبنان أخيراً.

أما البطريرك، فيرى السلامة في حياد لبنان وعدم انخراطه في المحاور وصناعة الميليشيات. وهو يطالب الرئيس  بتحرير الشرعية من إثارها.

دائما تتقدّم بكركي في التفكير والمبادرة عندما تتهدّد الأخطار “لبنان العيش المشترك” و”لبنان الوطن والدولة”. ولحديث بكركي صلة….