بايدن “البعثي”: هذا ما سيفعله مع إيران

11 نوفمبر 2020
بايدن “البعثي”: هذا ما سيفعله مع إيران
رضوان السيد
رضوان السيد

أثبتت سياسات دونالد ترامب المتفرّدة والشاذة أحياناً، أنّ الولايات المتحدة ما تزال تسيطر في العالم. بل وهي تستطيع أن تُرغم الكبار والصغار على ما تريد دون أن يرفّ لها جفن.

ونحن نعرف أنّ ترامب ضايق الصين كثيراً، لكنه ما كان أقلّ مضايقةً لدول الاتحاد الأوروبي، ودول حلف الأطلسي، وموقّعي اتفاقية المناخ، ومنظمة الصحة العالمية، وبالطبع الفلسطينيين ومنظمة التحرير الفلسطينية والأونروا.. إلخ. وها هم الأميركيون يقيمون “محكمة” لمحاكمة سياسيي العالم بحسب قانون ماغنيتسكي وقوانين أُخرى. وكان من سوء حظ جبران باسيل أنه كان هو بين أوائل الواقعين في براثنها الطويلة!

هل ما قامت به إدارة ترامب بالداخل الأميركي أو مع الخارج هو حقٌ وعدلٌ أم أنه تعبيرٌ عن البطر الذي يصيب القوى العظمى في أزمنة الانقسام؟! وهذه الأزمة الآن هي أزمة الشعبويات، حيث يعتقد عددٌ كبيرٌ من الناس أنّ الثروة الوطنية التي شاركوا جميعاً في إنتاجها، تذهب لغيرهم بداخل بلدانهم أو خارجها! وعلى هذا الوتر ضرب ترامب في حملتيه عام 2016 و2020، وحصد مئات البلدات والمدن. لكن هزمته المدن الكبرى، ووسائل الإعلام.

منذ أيام بيل كلنتون (وليس جورج بوش الأب)، بدأ الأميركيون يفكّرون بإمكان قبول صيغة: الأوّل بين متساويين! الأميركي هو الأوّل، لكن هناك شركاء جلوس على الطاولة، قدراتهم أقلّ، إنما لهم كلمتهم ومصالحهم التي ينبغي مراعاتها.

إنّما كان هناك من قال إنّ “التنازل” غير مفيد، ولا بد من الفرض وتوجيه الضربات أوّلاً، لتجري التسوية بعد ذلك، فتظلّ لصالح الولايات المتحدة. ويظهر ذلك من مذكّرات جون بولتون مستشار الأمن القومي سابقاً.

فالرجل راديكالي جداً، وكان متفقاً مع ترامب على التصعيد في كلّ مكان.

وهو يكره طرائق أوباما والديمقراطيين بشكلٍ عامٍ لأنهم يستسلمون دون نضال.

لا بدّ من أن يحسَّ العالم بقوة اليد الأميركية على أيّ حال! والطريف أنه بعد عامٍ ونيفٍ استقال لأنه في كلّ المشكلات التي أدارها مع ترامب، كانت وجهة نظره أنّ ترامب يستسلم ويغيّر قبل الأوان، ولأسبابٍ غير موضوعية، عمادها المجد الشخصي، أنّه نجح، ومن حقّه التنازل النسْبي لعقد التسويات.

انقسم العالم وليس العرب فقط إلى معسكرين: المعسكر المرحِّب ببايدن وهو الأكثر، والمعسكر الحزين على ترامب وهو الذي يخشى من تداعيات تغيير السياسات.

وقبل أن نبدأ بالعرب، هناك الروس الذين كانت علاقاتهم مع ترامب على ما يرام، وقد ترك لهم سورية، وما اعترض على تدخلهم بليبيا، إنما الأهم أنه أوشك أن ينحاز إلى روسيا في جورجيا والقرم وأوكرانيا وروسيا البيضاء وأرمينيا وأذربيجان، وهي البلدان الشرق أوروبية والقوقازية، والمحشورة روسيا فيها بأشكال متفاوتة في السنوات الأربع الماضية.

هل سينتصر بايدن للاتحاد الأوروبي؟

بوتين لن يتنازل قيد أنملة ولو وقعت حربٌ أو حروب.

ولذلك، فالراجح أنّ بايدن الذي لا يحبّ الحروب (والطريف أنّ ترامب كذلك أيضاً!) سيحاول التوسط بين الروس والأوروبيين بعد أن فشل الفرنسي والألماني.

ويمكن لبايدن أن يميل لتسوية في سورية، لكنه سيصرّ أكثر من ترامب على الحلّ السياسي والدستوري.


انقسم العالم وليس العرب فقط إلى معسكرين: المعسكر المرحِّب ببايدن وهو الأكثر، والمعسكر الحزين على ترامب وهو الذي يخشى من تداعيات تغيير السياسات


والشأن مع الصين أصعب. فالتوترات معها سابقة على ترامب، بل وبدأت أيام كلنتون، وما تحسّنت كثيراً أيام بوش الابن أو أوباما.

ولذلك، فإنّ بايدن سيزيد من الميل نحو الهند، دون أن يعني ذلك أنه سيستمر في الحرب التجارية، ولا في التحدّي البحري والجوي في بحر الصين.

سياساته مع الصين ستتسم كثيراً بالمراوغة والتذاكي كما يفعل الصينيون، وسيشتدّ التنافس على المديات الاستراتيجية، وليس على الشركات والشراكات فقط.

وقد أعلن الرئيس المنتخب أنه سيعود لمنظمة الصحة العالمية، ولاتفاقية المناخ، وربما لتقوية حلف الأطلسي، دون أن يطلب على الدوام فلوساً من الأوروبيين.

إنما ما هي المستجدّات في منطقة الشرق الأوسط؟

أبرز المستجدّات، إعلانه عن العودة إلى الاتفاق النووي مع إيران.

لكن من شبه المؤكد أنه لن يخفّف العقوبات فوراً، وسيطالب بمفاوضات جديدة، وعلى النووي كما على الباليستي. تصوّروا أنّ بولتون اتهم ترامب بالتخاذل تجاه إيران في تحدّياتها البحرية، وفي غاراتها على السعودية.

ماذا سيفعل بايدن بالتحدّي الإيراني بعامة، وبخاصةٍ أنه يتصل أيضاً بإسرائيل؟

قد يستفيد الفلسطينيون بعض الشيء من دعمه لعودتهم إلى طاولة التفاوض.

إنما لن يحدث شيء أكثر من ذلك.

فقد كان أوباما أكثر إصراراً وما حدث شيء.

وهذا إلاّ إذا جرؤ بايدن على السماح بكسر نتنياهو.

وعلى أيّ حال، فليس هناك تغيير كبير خلال عامٍ من الآن.

فلنعد إلى إيران: هل تحصل صفقةٌ كبرى؟

هذا غير مرجَّح، وإنما صفقات متفرّقة.

فمفاوضات ترسيم الحدود قد تستمرّ لأنها لصالح إسرائيل وحزب الله معاً.

لكن: هل سيربط بايدن بين ترسيم الحدود ونزع سلاح الحزب في المدى المتوسط؟ هذا هو المتوقَّع، لكنه لن يظهر الآن، قبل أن يظهر ما سيحدث بينه وبين إيران في النووي والباليستي والتحدّي البحري ونشر الميليشيات المسلَّحة.

العرب يخشون من تغيير السياسة الأميركية تجاه حرب اليمن.

لكنّ كثيرين لا يعرفون أنّ التحالف وبعد اتفاقية الحديدة، قدّم مبادرة سلمية أو قبل مبادرة من غريفيث، والحوثيون ما يزالون بتلاعبون.

ثم إنّ بايدن وغيره لن يقبلوا باستمرار التهديد البحري من مضيق هرمز إلى باب المندب وبحر العرب وبحر عُمان! وبالطبع، هناك الملفان البارزان في فلسطين واليمن، لكن هناك لبنان وسورية والعراق وليبيا، وكلها بلدان منهمكة في نزاعات، ولإيران ثم تركيا يد فيها، لكن هناك أيدٍ روسية وأميركية أيضاً في كلّ هذه البلدان! فهل تكون هناك جبهة عربية تسعى لصفقةٍ شاملةٍ مع بايدن، وبخاصة أنّ المشكلات مع أميركا ليست مشتعلة الآن مثلما هي مشتعلة مع إيران وتركيا؟!


قد يستفيد الفلسطينيون بعض الشيء من دعمه لعودتهم إلى طاولة التفاوض. إنما لن يحدث شيء أكثر من ذلك. فقد كان أوباما أكثر إصراراً وما حدث شيء. وهذا إلاّ إذا جرؤ بايدن على السماح بكسر نتنياهو. وعلى أيّ حال، فليس هناك تغيير كبير خلال عامٍ من الآن


إنّ الأمر الأهم الذي ينبغي التفكير فيه هو الإدارة المسؤولة.

ففي كلّ بلدان آسيا وإفريقيا التي عمل فيها ترامب مشاكل أو تدخل فيها، هناك حكوماتٌ وإداراتٌ قائمة قوية أو ضعيفة باستثناء لبنان! من سيتفاوض مع الإدارة الجديدة؟ لا ميشال عون مؤهَّل ولا حسن نصر الله، والحكومات لا تقوم حتى تسقط، وهذا إذا قامت.

وقد أتت العقوبات على جبران باسيل، فكانت القشّة التي قصمت ظهر البعير.

الإدارة منعدمة تماماً، وحتى مفاوضات ترسيم الحدود يديرها من وراء ستار الطرف الشيعي، ولا يبدو الأمر كله ذا كفاءة عالية.

أما بقية الملفات فلا يديرها أحد. وينبغي أن لا ننسى أنّ قانون ماغنتسكي وقانون قيصر والقوانين الأُخرى، يقال إنّ في شباكها حوالى العشرين لبنانياً، أي الطبقة السياسية كلها.

لقد عجزت الثورة عن إسقاطهم، وهادنهم الفرنسيون رجاء تحقيق بعض الإصلاحات معهم، فلم يفلح الأمر.

وهاهم الأميركان قد أتوا لجرفهم، وما دام الأمر كذلك، فلماذا سيتصرّفون بعقلانية؟ لن يتصرّفوا إلاّ باندفاعةٍ للمزيد من الخراب.

فكلهم جبران باسيل، أكبر أو أصغر لكنّ الجوهر واحد، ولن يكون من همّهم تشكيل الحكومة أو وقف الانهيار.

هم يريدون “تهديد” أميركا أو معاقبتها بالطبع (!) مثلما فعل باسيل.

نعم، لا إدارة في لبنان، ولذا نستمرّ في السقوط الحرّ دون أن نمكّن أحداً من مساعدتنا كما دون أن نتمكّن من الخلاص من سياسيينا!

لدى العرب، سواء أكانوا من بين دول الاستقرار أو دول الاضطراب، حكومات وإدارات كما سبق القول. وهي ستتمكّن جميعاً أو بالمجمل أو ثنائياً من حلّ مشكلاتها مع الإدارة الجديدة. وعندها وقت.

لأنّ الإدارة البايدنية ستكون مشغولة طويلاً في مشكلات الداخل، وستهتمّ بأوروبا وبالتحدّي الصيني، وبالمؤسسات الدولية، قبل الوصول لإيران وتركيا والعرب، وبخاصة أنّ أمن إسرائيل ليس في خطر!

إنّ المؤسف والمؤسف جداً أن يكون حال لبنان في ظروف السيطرة والاستعصاء، أسوأ من حال سورية أو الصومال أو ليبيا.

فليفرح القوميون واليساريون ببايدن الذي نشأ بالتأكيد في حزب البعث وربما كانت له علاقة ببادر – ماينهوف والجيش الأحمر! لكنّ الواقع يبقى: لا إدارة ولا دولة، ولا صلاح ولا إصلاح بين الزعيم المعصوم والرئيس المهضوم!

المصدر أساس