
لم تتمكن كل الوساطات والمفاوضات الجارية في الدوحة والقاهرة من وقف المجازر وحرب الابادة التي ينفذها جيش الاحتلال الاسرائيلي بحق في قطاع غزة، وفي الوقت الذي تتحدث فيه المراجع الاقليمية والدولية عن مساعي دبلوماسية وسياسية لوقف الحرب الاسرائيلية ضد الفلسطينيين في القطاع، يستمر العدوان الوحشي وتتزايد أعداد الشهداء والجرحى الفلسطينيين وعمليات التدمير والتهجير في غزة، بهدف تحويل القطاع إلى منطقة غير قابلة للحياة ما يؤدي إلى تهجير السكان دفعا أو قصرا أو طواعية.
لا شك أن التعنت الاسرائيلي ورفض الالتزام الحكومة الاسرائيلية بقرارات الشرعية الدولية والاتفاقيات الموقعة برعاية عربية ودولية تؤكد أن الجيش الاسرائيلي مستمر في عدوانه وحرب الابادة التي يمارسها ضد الفلسطينيين أمام صمت دولي وعجز عربي وانقسام وضياع وضعف فلسطيني.
وهذا يعني أن الاحتلال الاسرائيلي مازال في مرحلة الهجوم دون رادع حقيقي، وأن تل أبيب لن تتوقف عن عدوانها وعمليات القتل والتدمير والتهجير قبل تحقيق أهدافها العدوانية.
وهذا يعني أيضا أن اتفاقيات التسوية مع الجانب الفلسطيني وقرارات الأمم المتحدة والنداءات والمناشدات العربية لم تحقق السلام وتستعيد الحقوق، بل إن الالتزام الفلسطيني والعربي بعملية السلام والمفاوضات مع العدو جعل الثمن باهظا، عجزا وضعفا وانقساما ليس لأن نتنياهو مصمم على تحقيق أهدافه الفاشية والعدوانية فحسب، بل أيضا لأن المجازر وحروب الابادة وعمليات التدمير والتهجير ومصادرة الأراضي وبناء المستوطنات هي طبيعة الحركة الصهيونية وحكومتها المتعاقبة في تل أبيب منذ ما قبل ولادة هذا الكيان الفاشي.
وبالتالي كانت المراهنة على عملية السلام مع هذا العدو العنصري رهانات خاسرة، ومن وقع اتفاقيات التسوية من أجل السلام والحفاظ على النفس واعتقد أن ثمن المواجهة والحروب غال، هو اليوم مهدد بتهجير الفلسطينيين إلى أراضيه، ومهدد بأمنه واستقراره من قبل العدو.
وإذا كان النظام العربي الرسمي وأحزاب عربية عدة، أغلقت أبواب المواجهة مع العدو منذ سبعينات القرن الماضي، وراهنت على خيار السلام باعتباره خيارات استراتيجيا، فإن خيار السلام لم يجني للعرب سوى الاختراق والذل والفقر والبطالة والعجز والتشتت والانقسام والمزيد من العدوان واحتلال الأراضي، والمشهد العربي العام عبرة.
وإذا كان العرب والفلسطينيون قد تعرضوا للهزائم في ميادين القتال أمام الاحتلال الاسرائيلي تحديدا، فإن لذلك أسبابه التي تتعلق بعدم الاعداد والحشد والتنظيم والارتجال وخوض الميادين على أسس متخلفة وفئوية وعاطفية.
لقد أثبتت تجارب العقود الماضية وتاريخ الصراع مع العدو الاسرائيلي، أن القتال والمواجهة المتخلفة مع العدو لا يمكن لها أن تحقق انتصارا أو تدحر عدوا، بل إن خوض ميادين القتال يتطلب قوى وأحزاب ثورية صلبة وقادرة وتعمل على تأهيل وتدريب عناصرها وتمتلك الوعي الوطني والتنظيم القادر على القتال، ويكون لدى هذه القوى والأحزاب الثورية القدرة على قيادة الشعب وتنظيم صفوفه وحشد طاقاته وتطوير نضالاته عند الحدود مع الاحتلال وفي ميادين المدن والعواصم العربية رفضا للذل والعجز والنهب والفساد والافقار.
هذه ليست عبارات لإثارة العواطف، فالقلوب العربية تغص بالوجدانيات والمشاعر، والعيون يغص بالدموع، والحناجر تملؤها الصرخات والأغاني، بل هو الواقع العربي الذي يجب أن نقرأه ونطلع عليه جيدا ونعمل على تغييره والتمرد عليه، فالاحتلال العنصري الصهيوني يعربد دون رادع، ويستمر في عدوانه دون مواجهة، ونظم العرب والكثير من الأحزاب مكبلة بالعجز والضعف والتشتت علامات الترهل والشيخوخة.
ولا خيار أمام العرب جميعا إلا خيار المواجهة، ولكي تحقق هذه المواجهة أهدافها، بدحر الاحتلال وتحرير الأرض ورفض الذل والفقر والانقسام والنهب والفساد والعجز، المطلوب اليوم، الحشد قرب الحدود مع العدو ولكن بوحدة الارادة الوطنية وتنظيم الصفوف والوعي وحشد الطاقات وإسقاط الفساد وتحويل المجتمع من مجتمع استهلاكي متسول إلى مجتمع منتج(زراعي/صناعي)، وإلا فأمام الجميع أفرادا وجماعات وكيانات وسلطات المزيد المجازر وعمليات القتل والتهجير والفقر والنهب والعربدة .
ولكم في غزة عبرة لما ينتظركم أفرادا وجماعات