مقالات

تموز 2006 تموز 2019: تاريخ مفرد من تاريخ مفردات

تموز 2006 كان يوماً مفرداً في التاريخ اللبناني. تموز 2019، تضافرت عوامل عديدة لتجعله يوماً مفرداً ووحيداً. في تموز الحرب اجتمع اللبنانيون على التباس، في تموزيات ما بعد الحرب افترق اللبنانيون على وضوح ما زال يتوالى وضوحاً، بسبب من سياسات حزب الله الذي كان مفرداً أيام المعارك، ثم بات مستفرِداً ومستفرَداً بعدها. هذه الحقيقة أكدتها السياسات المتصلة للحزب، محلياً وخارجياً، من نسخها الأولى إلى النسخة المقروءة والمسموعة اليوم، في سياق “المناكفة” الأميركية الإيرانية.

لكن ما تقدم لا يحجب قراءة المعادلة الداخلية اللبنانية بمنظار مكوناتها، بل يدعو إلى التدقيق في تفاصيلها، من خلال استعادة يوميات “مكوّن” حزب الله الحربية وتظهير صورته السياسية من بين تفاصيلها.

معادلة تموزية:
تموز المفرد، وبعد سنوات على تكرار الاحتفال بذكرى الحرب في أيامه، كرس تباعا معطيات معادلة باتت جلية قوامها اللغوي والسياسي هو الآتي: لقد تحقق ربح في المعركة التي دارت بين المقاومة الإسلامية والعدو الصهيوني، وبعد الربح الآني كشفت التطورات عن خسارة للحرب. هذا يعني أن من ربح “تكتيكيا” قد خسر على مستوى “الإستراتيجيا”. إعلان هكذا معادلة، يعيد النقاش إلى أوله، أي إلى قراءة أخرى غير تلك المعتمدة من قبل أصحاب الانتصار، ومن قبل الذين ينافقون ويتملقون كتبة القراءات في القراءة ومروجيها.

تبدأ القراءة الأخرى من إعادة تحديد الأهداف التي سعى إليها من واجه العدو الصهيوني في الميدان، وتحديد الأهداف التي سعى إلى الفوز بها ذلك العدو، وبعد التحديد يتبع سؤال: بالقياس إلى تلك الأهداف بأي معنى ربح من ربح؟ وبأي معنى خسر من خسر؟ وبعد الجواب التفصيلي، يقتضي عرض الخلاصات وأبعادها، على واقع حال “الاجتماع الصهيوني”، وعلى واقع حال شبه اجتماع حملة الهوية اللبنانية، هذه “الفرد” التي لم تكتب لها صفة الجمع حتى تاريخه.

حزب الله اللبناني:
من التكرار التوضيحي الضروري القول أن اللبنانية لا تحيل القائل بها إلى معنى الناجز، أو إلى معطى المتجسد سياسيا واجتماعيا على مستوى عمومي، لذلك تبقى اللبنانية المعمول بها مجرد صفة تضاف إلى مطرح الإقامة الأرضية، مع الانتباه إلى أن أرض الإقامة رجراجة ولزجة، وأن كل صفة لا تطيل المكوث مع المقيمين، فهؤلاء في حالة جيئة وذهاب خاصة، تستقي ديناميتها من ريح الحركية الطائفية العامة، ومن عاصفة عصبيتها التكوينية التأسيسية.

على ما تقدم يكون حزب الله المقاتل باسمه طوعا، ومتصدر القتال باسم الآخرين قسرا، لبنانيا شبيها بكل أنداده من المقيمين، فهؤلاء أيضأ يضعون قبعة الهوية حماية لوجه “هويتهم المفردة”، ويرفعونها عندما يطيب لهم أن يلفحوا وجوه هويات الأغيار، عندما تستدعي العصبية الذاتية النفخ في نارها.

استطرادا، لا تستطيع فئة لبنانية خوض نقاش خالص ونقي يحط من صفاء لبنانية حزب الله ونقائها، هذا لأن الكدر واحد، ولأن “تكدير” الحياة الجمعية مشترك بين اللبنانيات، ولأن التراتبية متغيرة وفق السياقات السياسية والظروف التي تحف بها. لقد كان للمسيحية السياسية مقعد أول ذات يوم، ثم خسرته تباعا، وكان لها فعل “قتال ومقاومة” لم يوضع موضع النقد، وما زال الخلاف قائما حول مكان انطلاق الطلقة المقاومة الأولى وتاريخها، فهل كان ذلك في عين الرمانة عام 1975؟ أم كان ذلك في 16 أيلول عام 1982؟ أم كان ذلك في بلدة جنوبية منذ احتلال فلسطين في العام 1948؟

الخلاف على تحديد الذات لبنانيا يجعل حزب الله لبنانيا كامل المقومات، وتضمين اللبنانية حمولة المصالح الخاصة، يضع الحزب إياه على ذات الدرجة التي يقف عليها سائر الأشباه الذين تنطوي لبنانياتهم على حمولة مآربهم وأهدافهم اللصيقة بنظرياتهم عن ذواتهم، تاريخيا وعلى صعيد الاختلاف “الحضاري”.

خلاصة: كان حزب الله لبنانيا عندما خاض الحرب عام 2006، وهو قاتل بلبنانيته وخصوصيته، ودمج بين الاثنتين في ساعة اشتباك حاسمة، وكان على دراية بأن التحام العمومية اللبنانية مع الخصوصية المذهبية ضروري في لحظته، ويشكل ممرا آمنا إلى الفصل اللاحق بين “نحن وأنتم”، مثلما يشكل لغة خطاب ناري متغلبة في ساحات الاشتباك السياسي.. وهذا ما كان في تموزيات ما بعد التموز الأول عام 2006.

حزب الله في لبنان:
بين حزب في لبنان وحزب لبناني، فرق فكري وسياسي وبرنامجي، وكما سلف، فاللبنانية التي تحمل في تكوينها خليط الخاص والعام، يتراجع العام فيها ويضمر حتى ملامسة الاضمحلال، عندما يصير الوجود الحزبي، الفردي والتكتلي، موجودا “في”… أي شاغلا لحيز جغرافي يؤثر فيه ولا يتأثر به.

كثيرة هي الأجسام الحزبية والأهلية والفردية، التي كانت ومازالت موجودة في لبنان، وتفتقر إلى تراكم نوعي حاسم ينقلها ذات “طفرة” إلى ناتج كيمياء لبنانية. عليه، حزب الله ليس فريداً في بابه على هذا الصعيد، فقد سبقته حركات عروبية واشتراكية وماركسية وقوى “تراثية” لبنانية، قالت مثل قوله، وفعلت مثل فعله، بالتحليق فوق مصالح الكيان الداخلي وجعل الداخل امتداداً لنفوذ الخارج، بدعاوى الأفكار العالمية، أو بالانسحاب إلى تاريخ لبناني مشوب بأساطير وخرافات الخصوصية الحضارية المتميزة، والتحصن بالانغلاق في الداخل على الداخل، واستدعاء الخارج أيضا للمساعدة في التصدي “للأغيار” من سائر المقيمين الآخرين.

ما يعنينا من ذلك، وضمن الذكرى التموزية، أن حزب الله كان حزباً في لبنان، ولأنه كذلك، أفشل خطة المخطط الصهيوني الذي ظن أن سياسة القصف التدميرية كفيلة بدفع حزب الله إلى الامتناع عن استخدام صواريخه. لم يشبه لبنان يوغسلافيا التي تعرضت لقصف ممنهج من قبل قوات التحالف الغربي، فالمسؤول هناك كان مسؤولا عن يوغسلافيا، ولم يكن مسؤولا فيها..

الخلاصة من ذلك، أن الصهيوني استهدفنا ولحظ في خطته حجم خسائرنا، ولحظ أيضا ما قد يتكبده هو من خسائر، في الوقت الذي واجه حزب الله وفق خطة بندها الوحيد إنزال الخسارة في صفوف العدو، لكن من دون التوقف طويلا أمام خسائر مجموع الآخرين.

أساليب ونتائج:
خيضت حرب تموز بواسطة التشكيلات القتالية الخفيفة المرنة، وبأسلوب “التقدم والتراجع” من كلا الطرفين، وباستخدام السلاح البعيد المدى الجوي والبري والبحري.. هذا يعني أن المخطط الحربي المعادي استبعد احتلال الأرض والتمركز فيها. حتى أن بعض التحركات التي خُيل لبعض المتابعين أنها هجوم لإحداث اختراق عميق، كانت نوعاً من المناورة الموضعية التي تقتضيها بعض الأهداف الميدانية المباشرة.

انكشاف نية “العسكري” الصهيوني، أعطت الفرصة للمقاومين الذين ركزوا على مهمة إدامة القصف ضد مستوطنات العدو وأهدافه، لعلمهم بمدى ضغط الداخل الاسرائيلي على صناع قراره، ولعلمهم أيضا، بأن فترة السَّماح الدولية المعطاة للهجوم قد شارفت على نهايتها.

من هذه العوامل القتالية المكشوفة، ومن العوامل السياسية الدولية وغير الدولية المعروفة، صيغت خلاصة فشل العدو الذي أراد إسكات نار صواريخ المقاومة، وصيغت في الوقت ذاته خلاصة نجاح ذلك العدو من خلال القرار 1701، الذي فرض السكينة على كامل الحدود مع فلسطين المحتلة.

لكن ما بقي خلف الستار الاستراتيجي، هو إدراك العدو لحقيقة صعوبة فرض السكينة بالاحتلال، وهذا درس تعلمه “العقل العدو” من حروبه المتكررة ضد لبنان، لذلك كانت خطة ذلك العقل المخفية، تقوم على فرض أمر واقع على الحدود تميل الغلبة، أي الربح فيه، لصالح منع استهداف الأرض المسلوبة بالأعمال العسكرية من خارجها.. هذا من جهة الأمن للمستوطنين، أما من جهة أمان اللبنانيين فقد ترك العدو مهمة تطويق حزب الله وشل قدراته، للتشكيلة اللبنانية المختصمة حول حزب الله اللبناني، أو حزب الله في لبنان!!

لقد تكفلت التطورات ما بعد تموز 2006 وحتى تموز 2019، بجلاء جوانب كثيرة تشرح معنى برانية حزب الله الغالبة على أدائه، برانية لا يشفع لها القول إنها ظاهرة لم يبرأ المتنابذون اللبنانيون كلهم من أحكامها العامة.

المصدر : المدن

المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع بيروت نيوز بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و”الموقع” غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق