مقالات

جنبلاط كائن سياسي صيّاد حلول وأزمات ينتظر نصرالله على ضفة التسوية

راهنُ البلدِ ومنذ انتخاب الرئيس ميشال عون، بعد تعطيل رئاسي، انتقالُ ميزان السلطة الفعلية في الدولة الى حزب الله بالدرجة الأولى، ورئيس الجمهورية بدرجة لاحقة، وللحلف بينهما، الذي اختبر قوته ونفوذه بعد انتخابات الرئاسة، عبر إقرار قانون انتخابات 2018، قانون كانت دوائره الانتخابية وصياغاته القانونية والسياسية تُرسم دوائره و”تُلفُّ عمامته” في حارة حريك. إقرار قانون الانتخاب وطريقة ابرامه، كشفت كيف أن حزب الله لتمرير قانونه، عقد صفقات تحت الطاولة ومع رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط تحديداً، الذي قبل مرغماً بالقانون وبالخسارة في عدد المقاعد النيابية، شرط أن تكون خسائره معقولة، ويمكن أن نعود لفهم هذه المقايضة، الى غضب وئام وهاب حيال ما قاله عن تخلي حلفائه عنه خلال انتخابات 2018. اقرأ أيضاً: برّي ينصح بأولوية تحقيق المصالحة ويعدّها شبكة أمان للحكومة دفع الجزية النيابية ثم الوزارية ذِكرُ هذه الحادثة، كمثال على قدرة حزب الله على تمرير قراراته التي يريدها، وبوسائل سياسية ولكن ليس الى حدّ كسر خصومه بالسلاح أو سطوته، فهكذا فَعَل عندما أوصل صالح الغريب الى منصب وزاري، اذ يدرك النائب طلال أرسلان كما الوزير جبران باسيل، أنّ من رشح الغريب للمنصب الوزاري لا “الزعامة اليزبكية” ولا “الظاهرة الباسيلية” بل من رشحه ونصّبه، هو حزب الله،  اما جنبلاط بعد اعتراض، عاد و قبل على مضضّ، ومرّر ما كان يعتقد أنه قام به، من دفع “الجزية النيابية” بقبوله قانون الانتخاب، لكنه أذعن مجدداً لجزية الوزارية وبدأ يتحسس مقعد زعامته أن لم نقل أكثر، حين تيقن أنّ شهية حزب الله ومن خلفه رئيس التيار الوطني الحرّ، قد زادت عما كان يتوقعه، وباتت الفواتير السياسية تنهال عليه الواحدة تلو الأخرى، فكانت التعيينات في الإدارة العامة وفي المؤسسات العامة، الكعكة التي فاحت رائحتها في أروقة حارة حريك، وفي زوايا قصر بعبدا، فزادت شهية الالتهام السياسي وتفاقمت حدّ الشراهة. شهية القضم والشراهة السياسية تلك التي جعلت من الوزير جبران باسيل يذهب بعيداً في الاستعراض السياسي، وفي استحضار كل ما لديه من حرفة الاستحواذ والسيطرة، ومن نبش الماضي، واثارة الغرائز السياسية، والطائفية، مسنودا بحائط حزب الله، يعينه على استكمال عملية القضم و”النتش” من الكعكة الدرزية بشكل مباشر حيناً، أو متخفيا بقناع ارسلاني حيناً، أو بقناع فيه وجه الغريب. الكعكة التي اشتهاها “رئيس التيار” بعد أن وضعت في أفران حزب الله، هي تلك التي قاربها من خلال رفض وضع آلية للتعيينات في الفئة الأولى، والتي لاتزال القوات اللبنانية تطالب باعتمادها داخل مجلس الوزراء، وهذا الرفض الباسيلي عزّز من فرضية السيطرة والاستحواذ لدى التيار الوطني الحر بدعم من حزب الله، وهو ما عزّز من تحسس جنبلاط أكثر، الذي أدرك أن ثمة عملية سطو سياسية لزعامته، لكن ليس بمنطق الدولة، أيّ أن جنبلاط لم يكن أمام احراج اعتماد آلية لاختيار الأنسب من الدروز في مواقع الإدارة العامة العليا، بل كان أمام مسار سياسي واداري غايته تقليص دوره وحجمه وصولاً الى تهميشه، من خلال استكمال القضم الإداري بعد النيابي والوزارة. لذا انتفاضة جنبلاط لم تكن تعبيراً عن حالة ثورية كما يراها البعض، ولا انتحاراً سياسياً، بل كانت للجم الهجوم المتعدد الجهات ضده، فصمته إزاء ما يتعرض له من تحجيم، كان يمكن أن يفسر حينها بأن جنبلاط فعلا ينتحر سياسيا.   ولأن جنبلاط كائن سياسي قبل اي سمة أو صفة اخرى له، يراقب بحذر نتائج ، المعركة السياسية التي خاضها ولا يزال، فهو حقق فوزا في جولاتها حتى الآن، أحرج سياسيا كل الحلفاء السابقين، والأصدقاء المترددين، ونجح في قلب عنوان المعركة الذي روّج له خصومه خصومه، من أزمة درزية الى أزمة وطنية، فيما ظهر رئيس الجمهورية من خلال ما نقل عنه من مواقف، أنه طرف صريح في المواجهة وبات من الصعب تحييده، وهذا مكسب جنبلاطي ايضاً. موقف أميركي لا يلائم الخصوم مع صدور موقف من السفارة الاميركية امس الأربعاء، يدعم التحقيقات القضائية في قضية قبرشمون من جهة، ويرفض الاستغلال السياسي للقضية، أُدرج هذا الموقف في سياق لا يلائم موقف رئيس الجمهورية ولا التيار الوطني الحر. في لعبة موازين القوى قد يكون الموقف الأميركي عنصرا مساعدا لجنبلاط في الإطار السياسي العام، لكن عملياً ‏لا مؤشرات تدل على أن ثمة حلولاً خارج التصويت في مجلس الوزراء على إحالة القضية إلى المجلس العدلي. ‏كما يطالب رئيس الجمهورية، أو من خلال مصالحة تتم بين جنبلاط وارسلان وتوافق بينهما يقرر مسار القضية قضائياً، وهذا ما يشترطه حزب الله، ويقبله جنبلاط لكن بشروطه. الزعامة المطلقة وشراكة الثلث جنبلاط الذي عزز زعامته الدرزية اليوم، بات أكثر تشددا حيال مطلب مشاركته في التعيينات بنسبة الثلث، كما كان يردد القريبون من أرسلان ووهاب، ولكن جنبلاط الذي حقق انتصارات تكتيكية في المواجهة التي يخوضها اليوم، يدرك أن الذهاب بعيدا في المواجهة قد تكون له محاذير، منها أنه بات يهدد معادلة السلطة القائمة، والتي لن يتهاون أربابها في الردُ على اي خطر يستشعرونه. لكن في المقابل حزب الله ورئيس الجمهورية بدرجة ثانية، باتا إزاء منع تدهور الأوضاع الحكومية والمالية نحو الأسوأ، معنيان بتقديم تنازلات لجنبلاط في سبيل تجاوز هذا المأزق الذي يحشر الجميع، وربما لا يريد حزب الله الوصول إليه. اقرأ أيضاً: «الإشتراكي» يرفع سقف المواجهة بفضائح قضائية بالجملة: الحبس ليس لوليد جنبلاط! ‏ما يريده جنبلاط وقف الهجوم على زعامته، وإنهاء سياسة اقصائه وقضم نفوذه، وهو يعلن بالممارسة السياسية منذ حادثة البساتين، أن هذا السلوك ضده، مكلف سياسياً له، لكنه ايضا، لن يكون ثمنه اقل كلفة على خصومه، التسوية التي يسعى جنبلاط لانجازها مع حارة حريك، تنتظر وصول حزب الله لقناعة أن زعامة جنبلاط خط أحمر.. حتى اليوم لا يبدو أن هذه القناعة راسخة في عقل نصرالله ووجدانه.

المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع بيروت نيوز بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و”الموقع” غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك

بواسطة
علي الأمين
المصدر
جنوبية 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق