مقالات

مطمر تربل رهن الصراع السياسي: سموم الشمال تنفجر

لا شيء يوحي أنّ ثمّة حلًا قريبًا سيضع حدًّا لتمدد “كارثة” الشمال مع النفايات المتراكمة في أقضيتها الأربعة، الكورة وبشري وزغرتا والمنية والضنيّة. حتّى الحلّ الذي بدا “خلاصًا” من هذه “المصيبة” الصحية والبيئية التي حلّت في الأقضيّة الشمالية، لم يتكلل بإتمامه، وكان مصيره كحال نحو 37 حلًا جُوبهوا بالرفض.

فبعد أن بدأت أعمال الحفر والجرف في عقار في بلدة تربل، وتبلغ مساحته 600 ألف متر مربع، وهو يقع على أطراف قضاء زغرتا من جهة المنية، أبلغ رئيس الحكومة سعد الحريري وزير البيئة فادي جريصاتي، باتصال هاتفي، ضرورة التريث مدّة 24 ساعة، ووقف العمل بمطمر تربل “إفساحاً في المجال أمام البحث عن موقع آخر”. وطلب الحريري من جريصاتي، جاء نتيجة ضغط شعبي ومناطقي، وعلى خلفية تجاذبات سياسية “مشبوهة”، حتّى بات السؤال الجوهري: ما الحلّ إذن والحلول “الاضطرارية” جميعها مرفوضة؟

بالعودة إلى أزمة النفايات في الأقضية الشمالية، فإنّها بدأت منذ أن أقفل مكب عدوة في شهر نيسان 2019 الفائت. ومن ذلك الحين، بدأت النفايات تتكدس بكميات هائلة على أطراف الطرقات والساحات وفي الشوارع، إلى أن تحولت تلك الأقضية إلى بؤرٍ من المكبات العشوائية، وما ينتج عنها من ذُباب وحشرات وسوائل وروائح كريهة. هذا الأسبوع، جرى التوافق على اعتماد جزءٍ عقاري من جبل تربل، ليكون مطمرًا بديلًا من عدوة، بعد اللقاء الذي جمع  الوزير جريصاتي مع محافظ الشمال رمزي نهرا ورؤساء اتحادات بلديات الضنية والمنية وزغرتا والكورة وبشري، وأعلن جريصاتي أنّ الموقع سيكون “باركينغ” إلى حين إنجاز مشروع المطمر. ورغم أنّه الوزير وصف الحلّ بالـ”عابر للطوائف ولكل المذاهب”، وأنّ جميع القوى السياسية والنواب توافقوا عليه، ما يعني أنّ “الاعتراض عليه ممنوع”، كانت هذه نقطة الخلاف التي انفجرت بوجه “الحلّ” وجعلت منه تعجزيًا عقيمًا للأزمة.

سياسة ونفايات
يوم الجمعة، اشتّدت نبرة الخلافات والتجاذات السياسية، التي دفعت الرئيس الحريري إلى الاتصال بجريصاتي وجعل مشروع مطمر تربل “وقف التنفيذ”. معارضو المشروع على المستوى الشعبي ومن ابناء المناطق المحيطة، وتحديدًا من أصحاب المشروع السياحي المعروف بـ “الميرادور” في تربل، كانت حجتهم أنّ هذا المطمر هو “مشروع كارثي” على المنطقة، وهو بمثابة إطلاق رصاصة قاضية على المنطقة سياحيًا وسكنيًا، وعلى خزانات المياه الجوفية المهددة بالتلوث.

هذه الفورة الشعبيّة، لقيت تجاوبًا وتضامنًا سياسيًا عالي النبرة. يوم الجمعة، دخلت كتلة الوسط برئاسة الرئيس نجيب ميقاتي على خطّ المواجهة، على لسان النائب علي درويش، إلى جانب المحتجين، وجاء ردّها على جريصاتي بإعلانه أنّ الكتلة مع ميقاتي لم تتم استشارتها في شأن مطمر تربل (علمًا أنّ النائب جان عبيد يملك قصرًا في تربل)، و”نحن غير موافقين عليه، لأنه يمثل تحدياً لرغبات الأهالي، ويخالف قانون وزارة البيئة رقم 444 الذي يشترط موافقة الأهالي لإقامة أي مطمر في أي منطقة”. كما اقترح طرح الثقة بجريصاتي ومساءلة الحكومة عن هذا الملف!

في زغرتا، أخذ “الغضب” طابعًا مختلفًا، ليكون تعبيرًا عن استنكار “إفشال” جميع الحلول المقترحة. وهو ما عبّر عنه النائب ميشال عوض مغردًا: “بعد معاناة استمرت لأسابيع طويلة لأهلنا في أقضية زغرتا الزاوية والكورة وبشري والمنية – الضنية جراء النفايات، وبعد أكثر من اتفاق مع رئيس الحكومة على أكثر من حل، ها هي الحلول تسقط، ليس بسبب الهواجس المفهومة لبعض أهلنا في القرى المجاورة، والتي كنا نعمل على إزالتها، إنما لأسباب مشبوهة سنضطر لكشفها إذا استمرت النفايات في الشوارع”.

من جهته، قال النائب طوني فرنجية مستهجنًا: “شكراً لإغراق أربع أقضية ب​النفايات​، مع كل الأمراض، ورفض كل الحلول المقترحة من دون تأمين الحكومة ورئيسها لأي حلٍّ بديل”. و”الأيام ستشهد على حلولكم الهشّة المعتادة وحرصكم على ​البيئة​ والمال العام كما ستكشف كل النوايا”.

الوزارة تستغرب
النقطة الأساس لدى رافضي مطمر تربل، هي أنّه يهدد المياه الجوفية ويلحق ضررًا بالمناطق المجاورة لتخومه. وهذا الرفض، تضاعف بعد ما نشره الخبير الهيدروجيولوجي سمير زعاطيطي باعتبار أنّ “لمكب الذي سيضع نفايات غير مفروزة على سطح صخور كربوناتية ذات نفاذية عالية لتسريب المياه السطحية، ونفايات حاوية لكل أنواع السموم والمعادن الثقيلة والمواد العضوية، سيشكل مجزرة بيئية حقيقية بحق المخزن الجوفي.. ولكل الآبار الاستثمارية العامة والخاصة المحفورة والمستثمرة، لا سيما آبار طلعة القبة”. إلّا أنّ مصادر من مصلحة المياه في الشمال، تشير لـ”المدن” أنّ لا دراسة رسميّة تثبت حتّى الآن ما قاله زعاطيطي، وأنّ دراسة الأثر البيئي، وحدها الكفيلة بوضع النقاط على الحروف في هذا الشأن “بعيدًا من المبالغات غير الدقيقة”.

وفي السياق، يشير مستشار وزير البيئة شاكر نون لـ”المدن”، أنّ مطمر تربل الذي كان مقررًا هو “صحي”، وما كان يشهده هو “باركينغ” مؤقت، وقال: “نحن في خطة طوارئ، وسمحنا بنقل النفايات من الشوارع. المطمر الصحي هو موضوع تقني، وقد قلنا أنه لا مانع لدينا من انشائه بعد أن تعالج كلّ منطقة نفاياتها”. أمّا الخلاف الحاصل، فـ”القوى السياسية نفسها التي عارضتنا في الفوار هاي هي تعارضنا في تربل، بينما تتكدس النفايات في الشوارع، هناك أمراض، ولا أحد يقدم حلولاً، والوقت ليس لصالح أحد”، يسأل مستنكرًا: ما الحلّ إذن؟

يشير نون أنّ مشروع “إلزامية الفرز من المصدر” تكمّل بها الوزارة حتّى آخره. وضمن هذه الأقضية، “ألزمنا كلّ قضاء بإيجاد أرض مناسبة لإنشاء معامله للمعالجة. والدليل أنّ الضنية صار لديه موافقة على دراسة الأثر البيئي، الكورة التزمت أرضاً في كفرحزير، وزغرتا إلتزمت بأرض في كفريا، والمنية لديه معمل معطل. وقد قلنا أنّ مطمر تربل، سيخدم حوالى 20 في المئة من الروافض من كلّ هذه الأقضية”.

لكن في المرحلة الحالية التي تعطلت أيضًا نتيجة رفض تربل، “نكرر الغلطة نفسها، وبقينا نأخر الحلّ والنفايات تتراكم، حتّى وصلنا إلى نوعية نفايات لا تُعالج. وكلّ يوم نتأخر به في الشوارع، نراكم المزيد من كميات النفايات غير قابلة للعلاج. لذا، ألزمنا الجميع أن ندخل في مرحلة طوارئ، قبل الانطلاق بالخطة المستدامة”.

وبما بخصّ مطمر تربل، فقد طلبت “الوزارة دراسة أثر بيئي للمطمر، ونحتاج إلى استدراج العروض. لكن للأسف الوقت لم يعد لصالحنا، ونحن نحرق المراحل، ولكن لا نريد  أن نحرق المعايير”. أمّا موضوع “الباركينغ”، ففكرته “أن نجمع النفايات المتراكمة في الشوارع ونضعها مؤقتا في مكان مكشوف في “نقطة تجميع”، لذا لا نقول أننا نطمر، وإنما نجمع إلى حين استكمال العمل في المطمر الصحي، ونفتح أول خلية التي تحتاج لمناقصة”.

لكن، هل موقع “مطمر تربل” خطر على محيط المنطقة؟ يجيب نون: “هذا الموضوع تعبنا منه. بالنتيجة كلّ لبنان شجر وخضار، وحين يحدث استكشاف للأرض، ويتبيّن أن فيها مياهاً جوفية، وموارد طبيعية، نصبح مضطرين أكثر أن تكون المعايير الهندسية أعلى”. يؤكد نون أنّ أفضل مكان للمطمر كان “الفوار”. لكن، “اضطررنا لاختيار أيّ موقع بعيد عن السكن، وتربل يمتلك كلّ المواصفات، وهو ضمن نطاق قضاء المنية، ما يعني أنه يخدم معمل المنية، وهو متوقف حاليًا، بينما المنية تكبّ مئات الأطنان من النفايات نتيجة تعطله”.

يشدد نون أنّ خطة وزارة البيئة متكاملة، “قوامها تعميم من الوزارة بإلزامية الفرز من المصدر، وإلزامية المعالجة على كلّ قضاء، تبقى المرحلة النهائية في إيجاد مطمر صحي لإنهاء العملية”.

شكوى قضائية
هذا، وكانت الحركة البيئية اللبنانية تقدمت بواسطة وكيلها القانوني في الشمال، المحامي محمد الزاهد طالب، بإخبار من جانب النيابة العامة البيئية في الشمال، طالبة تحريك دعوى الحق العام لوقف المخالفة القانونية والبيئية لمشروع إنشاء مطمر للنفايات على عقار في جبل تربل.

كما تقدمت الحركة باقتراح حل للخروج من الأزمة، يرتكز على استخدام أراضي بعض المقالع والمرامل والكسارات المنتشرة في الشمال، كمواقع طارئة لفلش النفايات المتراكمة في شوارع أقضية الشمال وفرزها وتخزين المرفوضات بمراقبة الأجهزة الأمنية، وتحت إشراف الوزارات المعنية والبلديات.. والبحث الجاد، من دون ضغوط، عن مواقع مقبولة لتكون مراكز لتسبيخ النفايات العضوية ومطامر صحية للعوادم قبل موسم الأمطار.

وإلى حين انتظار انقضاء ما سيؤول إليه البحث، بعد طلب الحريري من جريصاتي وقف المعمل بالمطمر، يبقى السؤال: أين سيكون الموقع البديل من تربل؟ وكيف سيكون شكل الاعتراض عليه ؟

 

المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع بيروت نيوز بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و”الموقع” غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك

بواسطة
جنى الدهيبي
المصدر
المدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق