مقالات

الضاحية الحائرة بين البطولات وتوقع الكارثة والهم المعيشي

في الضاحية التي لم يعد أحد من سكانها يسميها ضاحية بيروت الجنوبية، بعدما صارت مستقلة وقائمة متعالية برأسها أو بذاتها منذ زمن بعيد، يتكاثر الكلام عما حصل في حي معوض ليل السبت – الأحد الفائت: طائرة مسيّرة تحلق بين البنايات الشبحية المحجبة شرفاتها بخيم من البلاستيك، والخالية تقريباً من ساكنيها الذين يممّوا جنوباً وبقاعاً مساء الجمعة أو قبل ظهر السبت وبعده.

أين الشباب؟!
طائرة بين البنايات في قلعة حزب الله؟! لكن أين الشباب؟! تساءل كثيرون لاحقاً، بعدما قيل إن أحدهم – وهو ليس ممن تسميهم الضاحية بالشباب – بادر هكذا من غير دراية منه، وربما عن خوف، إلى رشق الطائرة الليلية بحجر، فهوت (يا للمصادفة). وهذا ما أخذ الناس يردّدونه ويزيدون عليه من مخيلاتهم المتنوعة، بعدما ذكره السيد حسن نصرالله عابراً مستخفاً بالطائرة في إطلالته مساء الأحد. ثم انفجرت طائرة أخرى في مركز حزب الله الإعلامي. ويقال أيضاً إن الشاب، مسقِط الطائرة الأولى، بحجر كان مع أصدقائه ينقلون أثاث بيته في تلك الساعة المتأخرة من الليل!
وعرضت  إحدى القنوات التلفزيونية مقابلة مع الشاب الذي قيل إن الطائرة التي أسقطها كانت للمراقبة، ولم تحمل أي متفجرات بعكس “زميلتها” المتفجرة والانتحارية.

لا شك في أن عملية الاختراق في معقل حزب الله تثير الكثير من علامات الاستفهام حول التوقيت والمكان في أذهان كثيرين. حتى سكان حي معوض يتساءل بعضهم: لماذا هنا، وفي هذا الشارع، وفي هذه البناية، ولماذا الآن بالذات، وبعد هدنة طويلة منذ العام 2006 بعد انتهاء حرب تموز المشؤومة؟ وهذا على خلاف الصورة التلفزيونية والخطابية الملحمية والبطولية لتلك الحرب.

تشويش على عاشوراء
وعاشت ضاحية بيروت الجنوبية ساعات عصيبة كثرت فيها التكهنات والتحليلات والحكايات حول الحدث الذي يصعب التمييز والفصل بين قوته الإعلامية وقوته الواقعية. فشطر كبير من أهالي الضاحية يعيش على إيقاع تلفزيون المنار وخطابة السيد حسن نصرالله، اللذين يحولان الوقائع، الخفيّة أصلاً، إلى صور وحكايات بطولية.

وكل على طريقته، يتبارى عبر وسائل التواصل الاجتماعي مع خصمه السياسي اللدود (أمل وحزب الله)، علماً أن المبارزة من باب المناكفة. فالطرفان تجمعهما عداوة مشتركة لإسرائيل. و”أصحاب الخندق الواحد” تفرقهما التكهنات والحكايات عن كيفية حدوث ما حصل ودلالته ومعناه: البعض اعتبرالعملية مقدمة ومحاولة تشويش على المجلس الحسيني الذي سيقام في ذكرى عاشوراء قريباً، على اعتبار أن الخيمة العاشورائية التي ستُنصب في منطقة حي معوض، محسوبة على حركة أمل. وقد عبر البعض عبّر وسائل التواصل الاجتماعي عن هذا الأمر.

ذهول مزدوج
أما الإشادة بالصمود والبطولات فبلغت ذروتها في التعبير عن إسقاط المسيَرة الأولى و”القاء القبض” عليها بالجرم المشهود. ناهيك عن شريط الفيديو التلفزيوني الواسع التداول عن الشاب الذي تمكن من إسقاطها، وبدا كأنه هو نفسه غير مصدق ما فعله. وربما من الطبيعي أن يختلط في روعه ذهول مزدوج: ذهول في لحظة قذفه الطائرة بالحجر في ذلك الوقت الشبحي ما بعد منتصف الليل. والذهول الثاني الذي يساوره جراء السحر التلفزيوني البطولي الباهر الذي أُضفي على فعلته، حتى بدت عليه إمارات الفخر والتيه فيما هو يهدي “عمليته”  الى أمين عام حزب الله والرئيس نبيه بري معاً، لكي لا يدب الشقاق بين صحبه من شبان الطرفين.

واختلفت الآراء حول ما حدث. هناك من رحب واعتبره انتصاراً على العدو الإسرائيلي، يضاف إلى رصيد سلسلة الانتصارات الإلهية. وهناك من تخوف وعادت به الذاكرة إلى حرب إسرائيلية كارثية غير متوقعة. ومنهم من لم يبال بالحادثة، واعتبر أن ما حصل مثير للشبهات، ومحض مصادفة.

مشاعر متضاربة
الدردشات في البيوت انقسمت حول الحادثة، على اعتبار أن كل بيت يحوي خليطاً من “الأفكار والآراء والتوجهات”، الأقرب إلى الاجتهاد في التوقعات. حتى في المقاهي المنتشرة في الضاحية تسمع آراء مختلفة: منها متلائمة مع أنصار قوى الأمر الواقع، ومنها تفارقها مع بعض الحدة.

وفي جولة سريعة على مجموعة من مثل هذه الآراء حول ما حصل، يشير صاحب مكتبة – بعد أزالته العرق عن جبينه – إلى أن ما حصل “لا أستسيغه”. وهو يعني أنه لا يعرف ماذا يقول حول كيفية وصول الطائرتين، على اعتبار أن “الضاحية ممسوكة أمنياً، والشباب موجودون ليل نهار” (في إشارة منه إلى عناصر حزب الله). وقال آخر –  وهو زبون في المكتبة – إن ما حصل يعني “توجيه ضربة جديدة للكيان الصهيوني. والسيد يعرف كيف يرد ومتى يرد”.
لكن آخرين عبّروا عن مخاوفهم من نتيجة الرد الذي سيقوم به الحزب بالتأكيد، وقد يؤدي إلى حرب كارثية. أحدهم قال: إذا حصلت حرب لا نعرف ما العمل، وإلى أين نذهب. وهناك من أشار إلى حيازته جنسية أجنبية: “ما أن تبدأ الحرب، فإن سفارة بلدي الثاني تتكفل حمايتي وإجلائي وعائلتي، مثلما حصل في حرب تموز2006”.

البعض يعتبر أن حزب الله “مزنوق”، وجاءت العملية في غير وقتها، وعلى الحزب تلافي الانجرار إلى الرد، “لتظل المقاومة محتفظة بحرية المبادرة والمباغتة”. وقد يكون بديهياً أن تسمع التعبير عن مشاعر وهواجس متعارضة في جملة واحدة يقولها شخص واحد، في هذا الجو من اللغط وغياب المعلومات الواقعية والخوف الممزوج بالتعود على إضفاء البطولة الخارقة على المقاومة وانتصاراتها.

لنسيان الهموم المعيشية
في الفانات –  وهي من أكثر “المنابر”  تعبيراً وإفصاحاً، بسبب استعمال الهواتف وعدم إمكان كتم الأسرار –  تسمع كلمات متقطعة تتناول الحادثة. أحدهم أطلق كلمات غاضبة: “هني شو فارقة معن؟! كل شي موجود عندهن. جربناهم وشفناهم شوع عملو”.
أثناء التنقل في الضاحية، وسماع النقاشات الصاخبة حول “المسيرتين”، لا بد أن تسمع أيضاً الكثير من الكلام عن الحالة الاقتصادية والوضع المعيشي الصعب والكهرباء وفواتير المولدات والاختلاسات والفساد…

ربما يحتاج أهالي الضاحية، مثل سواهم من اللبنانيين، إلى صدمات مثل صدمة المسيرتين وتهديدات السيد حسن نصرالله والردود الإسرائيلية التي تضع البلد المنهك على شفير الحرب، لكي ينسوا الهموم المعيشية اليومية ومشكلاتها المتراكمة والداهمة.

بواسطة
فؤاد خشيش
المصدر
المدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق