مقالات

الدولار.. صاحبنا القديم

لعلها الحرب، وقد عادت. ليست ضربة إسرائيلية هذه المرة، ولا صراعاً مسلحاً بين “الأهالي”. بل الدولار. وما هي الحرب إلا ذاكرة لا تُمحى، مهما حاولنا وتطهّرنا وتجمّلنا؟ ما هي الحرب غير القلق كأسلوب حياة، والإجراءات الاحترازية للأمان، بالأطعمة المعلّبة والمحروقات والمدّخرات؟ ما هي الحرب غير البحث عن مَخرج من البلد، أو مدخل إلى مَسكن بين أشباهنا والجماعة؟ وما هي غير انتفاء القدرة على التخطيط لأي شيء، ولو ليوم غد أو بعده؟ ما هي إن لم تكن تلك التقنيات التي نتعلمها والخبرات التي نكتسبها، في توقّع اللامتوقع، والتعامل مع المجهول، وشحذ سرعة البديهة والتصرف لحظةً بلحظة؟ تلك المهارات التي نخزنها في تراكيبنا مثل اللغة وعُقَد الطفولة…

إنها الحرب، وقد عادت، وهي أصلاً لم تغب. تتوارى أحياناً. تلاعبنا الغميضة، وتثق في حماستنا للبحث عنها حتى إيجادها، ولو أمام الصراف الآلي الذي يمدّ الآن لسانه، فيما الصرّاف “الآدمي” يضحك في ياقة قميصه.

الدولار صاحب جيلين أو ثلاثة خلال الحرب اللبنانية، ومثلها ظلّت حَكاياه لأجيال تالية.

نشرة الأخبار الصباحية، في الراديو، صبحية كل بيت، الموسيقى التصويرية لأعمال الطهي والتنظيف وحتى فنجان القهوة في الشرفة.. قبل أن يصبح التلفزيون نهارياً، طبعاً قبل الانترنت، وقبل أن يحلّ زمن فاتورة المطعم بالليرة والدولار الأميركي معاً كحالة لبنانية فريدة (في العالم؟). أما المواجز، فهي فواصل إذاعية، لن تفوتك في السرفيس أو عند الحلاق. ولو كان لموجات البث أن تُضمّخ بروائح أمكنتها، لكان أكثرها برائحة “الخزين” العطري لدكانجية “البون جوس” و”راس العبد”.

ما زالت غالبية النشرات تحافظ على تقليد استعراض أسعار العملات، وأونصة الذهب والفضة. لكنها، في تلك الأيام، كانت حاجة، حقيقية، حيوية، تماماً مثل تقرير “سالكة وآمنة” الذي دأب يومياً على تصنيف شوارع ومعابِر، وفقاً لمعادلات الموت والنجاة. الموت في حسابات اليوميات. انقطاع الأنفاس أو خسائر ذات اليد، لا فرق كبيراً. فالأب المغترب، أو الإبن المهاجر، أو الأخوة الذين نسوا العربية لكنهم لا ينسون أن لهم في لبنان “مقاطيع”.. هؤلاء يحوّلون من الخارج بالدولار، وسعر الصرف قد يُترجَم، بين يوم والثاني، بحبوحة نسبية، في حياة عائلة عادية وفي إنفاق طالب في الجامعة والده موظف في الخليج. كان الكل يترقّب نشرة العملات، كأن الكل مُضارب في البورصة بالملايين، ولو ملايين القروش.

والصرّافون… هؤلاء كانوا النسخة “المدنية” من قبضايات الأحياء والمليشيات، لهم إتاواتهم، وأكشاكهم الصغيرة على جانبي شارع الحمرا، محصّنة بأكياس الرمل، وربما تتوافر داخلها قطعة سلاح. يجول عليهم المواطنون كما يجولون على باعة الخضار واللحامين، يستفتونهم في السعر اليوم، و”يُفاصلونهم” متسلحين بأسعار جيرانهم من أبناء الكار. والكار هذا، حرفة. لكنه كان يصلح أيضاً للهواة، وبعض المقامرين من سمّيعة البورصة، أو المحللين العصاميين. “فلان عمل مصرياته بالعملات”، عبارة بدت مألوفة. ومثلها أخبار عن أغنياء وأبناء طبقة وسطى مانعوا أو تأخروا في تحويل تحويشة العمر للدولار، فانتقل أولادهم إلى المدارس الرسمية، وربما انتقلت العائلة كلها من البيت المُستأجر في بيروت إلى البيت الموروث في الضيعة.

لعلها الحرب، وقد عادت. الطوابير على محطات البنزين. يومها كان الاحتكار، وألاعيب المليشيات وخطوط التهريب، ومحاور تشتعل بالنيران المتبادلة، أو مرافئ تُقفل، فتتأخر الشحنات المعتادة. اليوم هو الاستيراد في ظل أزمة الدولار. تفصيل. مولدات الكهرباء، لا تزال. والسيارات تُحسب مشاويرها. ربما تملك مؤونة ذهاب، دون الإياب، لكن: “ربّك يدبّرها، المرة الماضية التقينا صدفة بإبن جيراننا القدامى، فأهّل وسهّل وضيَّفَنا غالون بنزين”. وما الحرب غير ذلك التكافل في الشدائد وإغاثة الملهوف؟ ما هي غير الصدفة، تعفينا من سيارة مفخخة هنا، وتمنّينا بمحطة بنزين مليئة هناك؟

اليوم فضيحة “جمّال ترست بنك”، وقُبيل الحرب كان “بنك إنترا”. من يبالي بالدقائق المصرفية والكلمات الصعبة؟ المهم: السياسة، السطوة لمَن؟

في “فايسبوك”، نشر أحدهم مانشيت جريدة لبنانية (كانون الثاني 1985): “ارتفاع الدولار الجنوني: قلق شعبي وخوف من المستقبل”، وبخط أصغر: “كرامي يطلب مساعدة عربية ويؤكد على الحرية المالية.. والمصارف تقترح قروضاً بالعملة الصعبة”. أيامها كانت الحرب في أوجها. وما زال لبنان يطلب المساعدة، وما زالت المصارف تقترح إجراءات مخيفة. وما الحرب غير التسوّل، والإفلاس المتزامن في الجيوب والمخيّلات؟ طلقات نارية أيضاً، وفوضى وخنادق؟ موجودة أو آتية في الطريق.. غالٍ يا صاحبنا والطلب رخيص.

بواسطة
رشا الأطرش
المصدر
المدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق