مقالات

تحلّل لبنان سياسة واقتصاداً: إنفلات العونية وهيمنة حزب الله

عرف لبنان ما بعد الطائف مرحلتين أساسيتين من مراحل تشظيه السياسي، وضعتاه على شفير انفجار أخطر من الانفجارات العسكرية.

استكمال اغتيال الحريري
بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري – وهو كان يسعى إلى تكريس نموذج لبناني يتخطى صراعات الطوائف، وينطلق برؤية اقتصادية عصرية تحدث تغييراً جوهرياً في التركيبة اللبنانية وبنيتها – استعاد لبنان غرقه في منطق الصراعات الطوائفية والمذهبية، وتكرّس في انقسام عمودي حادّ. حينذاك حصل التحالف بين حزب الله والتيار العوني، فدخل لبنان في حقبة السطوة الشيعية السياسية. التيار العوني أقدم على ذلك التحالف لتعزيز موقعه ودوره، فاستفاد من حزب الله وأفاده في ما حققه طوال السنوات الماضية، وصولاً إلى تسوية العام 2016. وفي الأثناء وظّف حزب الله مشاركته في المقتلة السورية إلى جانب نظام الأسد، وجنى ثمارها “الانتصارية” أخيراً في الداخل اللبناني.

قبل التسوية الرئاسية، كانت الصراعات اللبنانية، الطائفية – المذهبية، ببعدها السياسي قائمة ومحتدمة. لكن السنّة والمسيحيين من معارضي حزب الله، وجدوا أنفسهم في حال تراجع على إيقاع مسار الثورة السورية. أما حزب الله والتيار العوني فتقدما في خيارهما السياسي الطائفي لتحقيق “الانتصار” الذي تجلّى في تسوية انتخاب ميشال عون. وكأنما اغتيال الحريري حقق مبتغاه. فدخل لبنان حقبة جديدة من الصراعات المذهبية والطوائفية، تصدرها هذه المرّة التيار العوني بخطابه الشعبوي المسيحي المتعصب. وهذا عرّى الصراع “الطائفي والمذهبي” اللبناني من أبعاده السياسية، وسلّم  الجميع لحزب الله بإدارة البلاد، سياسياً، أمنياً، عسكرياً، واستراتيجياً.

سياسة الهستيريا والشائعات
عندما يغيب الصراع السياسي، تصبح الأوضاع والصراعات اللبنانية خطرة: تندفع الجماعات اللبنانية، المعبأة والمجيّشة طائفياً ومذهبياً، في حال العصاب الهستيري الذي يُفرق الجماعات إياها في سعار من الشائعات والسخف والتفاهة. فتقدّس كل ملّة أو طائفة قائدها أوزعيمها.

وفي هذه الحال تظهر المواقف الآلية المستلبة، التلقائية أو المسبقة، الشبيهة بما يمكن تسميته “الجيوش الإلكترونية” التي تغيّب أي منطق نقدي عقلاني، وتنزع عن المواقف طابعها السياسي المفهوم. وهكذا يصبح الانتماء عصابياً أعمى، مثل الدفاع عن النفس، أو الهجوم على الآخرين، فيبلغ الهذيان درجة الحضيض. ينسحب هذا كله على أهل السياسة الذين يضطرون وفق هذه القواعد، إلى مجاراة نوازع جمهورهم الهذيانية، فتطفو على السطح حملات عشوائية، تنتقل البلاد أو أجزاء وجماعات منها، من أزمة إلى أزمة، منها: تملك الشيعة واستئجارهم البيوت في بلدة الحدث المسيحية، إلى الصراع بين “عملاء ومقاومين”، إلى الخلاف المستجد على “ترسيم الحدود” بين الضنية وبشرّي، وصولاً إلى الأزمة المالية والنقدية التي يلابسها الغموض، وتختلط فيها الشائعات بالوقائع.

هذه الحال الانحدارية تحول البلاد حارات وزواريب ودساكر. والحال هذه انتقلت أخيراً إلى مجلس النواب في جلسته الأخيرة، التي أثبتت سقوط السياسة والانحدار إلى قاع سحيق، تجاوز فيه التيار العوني والقوات والكتائب كل خلافاتهم، واتحدوا “مذهبياً” ومناطقياً، من دون أي نقاش عقلاني.

إنه الترهل الذي يستدعي الحاجة إلى مجاراة النوازع الشعبوية، والابتعاد عن الحسابات السياسية لصالح حسابات ضيقة ومنغلقة. وهذا ما يجدد الجدل الأزلي: من يسوس الآخر؟ الناس وعصبياتهم يسوسون الساسة، أم أن العصبيات تسوس الناس والساسة والزعماء معأ وفي آن واحد؟ أم أن السياسيين الذين عليهم لجم نوازع أتباعهم، هم من يطلقونها؟.

الحريري خارج السرب
هنا لا بد من تسجيل ملاحظة: رئيس الحكومة سعد الحريري، هو من النادرين الذين لا ينجرّون خلف نزعات جمهوره، على الرغم من كل الملاحظات والاعتراضات على أدائه. فهو يلتزم بكلمة جامعة، على خلاف القوى السياسية الأخرى. لكن مشكلته تتجلى في عزوفه عن جبه حالات التحريض التي يتبعها الآخرون: مثلاً، ما لا يتوقف عنه جبران باسيل من تحشيد عصبي غوغائي،  وكذلك ما حصل في جلسة مجلس النواب الأخيرة، حين غلبه “الزعل” فغادر القاعة، بدلاً من المجاهرة والمواجهة بموقفه.

وحقيقة ما جرى، هي أن هناك قوانين لاستكمال مشاريع طرق في بعض المناطق في المتن وجبيل، تمولها خزينة الدولة. قال الحريري ليس من أموال حالياً لاستكمال هذه المشاريع، فجرى تجاوزها. وحين وصل النقاش إلى قرض كويتي لاستكمال مشروع في الضنية، اعترض النواب العونيون ومعهم الكتل المسيحية الأخرى، على قاعدة 6 و6 مكرر. لكن مشروع الضنية يموله قرض من خارج الموازنة. عزف الحريري عن شرح وجهة نظره، وصوّر التيار العوني الأمر بأنه خلاف طائفي ومذهبي!

هذا مؤشر على حال الجنون المعمم في البلاد. فلم يعد “المشرِّعون” يختلفون عن أصحاب الرؤوس الحامية في الطرق والزواريب، أولئك الذين يعتبرون أنفسهم في حروب وجودية. وتوسع الخلاف الذي حصل في الجلسة إلى خارجها وبعدها، فانفجر على وسائل التواصل الاجتماعي حملات طائفية على الحريري الذي اعترض على هذه المشاريع، انسجاماً مع الشروط الفرنسية لتخفيض الانفاق، وإطلاق مؤتمر سيدر.

وهذا موقف فرنسي كان الحريري قد سمعه بوضوح خلال لقائه ماكرون. وما دفع الحريري للعودة إلى القاعة العامة في مجلس النواب، هي تداعيات اللقاء بين ماكرون والوفد اللبناني في نيويورك، إذ كان الرئيس الفرنسي واضحاً تمام الوضوح في انتقاداته الإدارة اللبنانية. ملاحظات ماكرون هي التي عززت موقف الحريري من هذه “التفاصيل”، فرضخ نواب التيار العوني في مجلس النواب، لتستمر الحملات السياسية على الحريري في خارجه، انسجاماً مع التوجه الشعبوي للجمهور العوني.

الابتزاز العوني
تؤكد هذه التفاصيل خلاصة مرّة: تعيش البلاد أسوأ أيامها على صعيد التعصب المذهبي والطائفي، الذي قد تصل إلى حافة الانفجار.

وهنا ثمّة مفارقة لا بد من تسجيلها، حول التنازلات التي يقدّمها سعد الحريري باستمرار، والمتصلة برؤيته لـ”الاجتماع السياسي” والتسوية وتهدئة الخواطر في البلاد. فهو تعرّض على مدى سنوات لأعنف الحملات من التيار العوني في السابق: إنه يريد أكل حقوق المسيحيين، وأسلمة البلد، بينما كان التيار يمدح حزب الله القوي الذي يقدّم نفسه حريصاً على المسيحيين ودورهم. في خلفية تفكير الحريري، أن المسيحيين يمثلون اهتماماً جلياً لدول الغرب، ولا بد من تعزيز أوضاعهم وتحسين العلاقة معهم. وهذا المنطق اتبعه حزب الله، ويُطلق عليه تحالفاً استراتيجياً مع التيار العوني، بسبب حاجته إلى الغطاء المسيحي.

هذا المنطق، هو الذي دفع الحريري إلى محاولة استنساخ تلك التجربة على قاعدة احترام “الأقوياء” في طوائفهم، وعدم حرمان المسيحيين. وهكذا وصل إلى خيار انتخاب عون، وقدّم تنازلات قاهرة. لكن المفارقة أن الرجل الذي يتودد دائماً، ويحرص على الجمع، يقابل بنكران دائم، أو بحملات مستمرة لإضعافه، أو للحصول منه على المزيد.

لكن منطق “الخوف المسيحي” الذي يعممه العونيون، لانتزاع المزيد من المكتسبات في لعبة المصالح، يحتاج دائماً إلى خصم يمثّل تهديداً وجودياً. وهذا ما يبقي التيار العوني في حال حرب دائمة، مع “الآخر”، بمعزل عن حربه الدائمة على القوى المسيحية المعارضة له. وهكذا يجد التيار العوني في الحريري “الضرع الحلوب” الذي يحتاج إليه للوصول إلى رئاسة الجمهورية، ولإبرام الاتفاقات معه في رئاسة الحكومة. لذا يصير الحريري الطرف الأكثر عرضة للابتزاز بحثاً عن تنمية شعبية التيار العوني، تحت شعار استعادة الحقوق والصلاحيات، وطمعاً بالمزيد من التنازلات، وإلا يكون مجدداً في خانة من “يستهدف المسيحيين”.

أما حزب الله فيقدّم تنازلاته شكلياً للعونيين، ومن تحت الطاولة، فيسلفهم مواقف مخاتلة، على غرار قضية فايز كرم أو العملاء، أو غيرها من الملفات المشابهة.

بواسطة
منير الربيع صحافي لبناني
المصدر
المدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق