مقالات

عصافير السياسة اللبنانية

وحدها تغريدات وليد جنبلاط تتميز بذائقة فنية وثقافية

في 2006، وبينما كنا “ننتصر”، استعار فريق مؤلف من أربعة جامعيين ومقاولين أميركيين التغريد من حناجر العصافير في الطبيعة، واستنسلوه في الفضاء الرقمي، حين أنجزوا شبكة تواصل جديدة. وعندما جاء دور تسميتها، فاز اسم “تويتر”. فللاسم بالقواميس الإنكليزية، “Twitter”، معنيان: الأول تغريد العصافير، والثاني رَشَقٌ قصيرٌ من التوافه. وهو المعنى الذي قام عليه التغريد الرقمي بين البشر.

والدليل على نجاح القصد وراء “تويتر”، أنه كان يسجَّل في بداياته نحو 35000 تغريدة للدردشة في الأسبوع، في مقابل 90 تغريدة فقط متّصلة بالعناية الصحية. ثم في العام 2017، اعتبرت الشركة أن الرَشَقَ لم يعد يناسب التوافه المتضخّمة، فرفعت منسوب الرَشْقة إلى حوالى 40 كلمة للتغريدة، بعدما كان نحو 20 كلمة، ويا ليتها لم تفعل! فوفقاً لإحصاءات حديثة، تحتل الثرثرات المجانية نسبة 40.1% (وهي الأعلى) من إجمالي عدد التغريدات، بينما تحتل الأخبار نسبة 3.6% (وهي الأدنى).

إذاً، لا يصحّ “تويتر”، من أساسه، للمواضيع الجدّية والمصيرية. وأبرز السياسيين الذين اعتلوا منصّة “تويتر”، في أيام الـ20 كلمة، كان الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما الذي عزز الجانب الجدّي لـ”تويتر”، إذ استخدمه في تمويل حملاته والترويج لسياساته واستمزاج آراء الناس.

وهنا يكمن الفرق بين أوباما وأمثاله، وبين سياسيينا الذين “يغرّدون” من دون أن يكترثوا لتعليقات متابعيهم، المناصرين والمناوئين على حد سواء. وهؤلاء بدورهم، يرتجلون من تغريدات المسؤولين جبهات للتراشق بالتوافه. فسياسيونا يستخدمون “تويتر” على مبدأ “غرّد كلمتك وامشِ”، ربما للتنصل من المسؤولية، ولرفع العتب بتسجيل مواقف أقل قيمة مما تستحقه القضايا المهمة، ولتسجيل موقف… بالتلطيش على الخصوم أملاً في “مصالحة” لمنفعة شخصية في أكثر الأحيان.

فهل كف المسؤولون اللبنانيون عن العمل السياسي الحقيقي وبالطريقة التقليدية، وأمسوا يزاولونه عبر تلفوناتهم الذكية، وبرؤوس أصابعهم البارعة أكثر في استخدام الآلات الحاسبة، لاحتساب العوائد من المواقف والأرباح من المصالح؟

منذ أيام، ما إن انتهت كلمة أمين عام “حزب الله”، حسن نصر الله، في ذكرى العاشر من شهر محرّم، حتى سارع الدكتور سمير جعجع إلى اقتطاع مقطعين منها، ربما رأى فيهما أهمية عُظمى، وغرّد بهما عبر “تويتر”، مقدِّماً لهما بجملة خاطب فيها الرئيس ميشال عون وأنهاها بـ”… مع كامل الاحترام”.

هذه المرة، لم يناقش الدكتور، كعادته، كلمة نصر الله، ولا فنّدها. بل فضّل “تويتر”. ولعلّ تغريدته تلك كانت طلقةً في الفراغ الرقمي الذي يجيز “إشهار الإرسال وإخفاء التسلّم”. وهو الأمر الذي قد يجعل الاتصال هباءً منثوراً، بينما مضمون المقطعين جسيم، يكشف قائلهما ولاءه الحقيقي لجهة خارجية، ويهدد، وإن بشرط، بإشعال لبنان والمنطقة، في الواقع. وهذا يستدعي تحرّكاً أكثر وزناً.

أما الممارسات السياسية لنصر الله، فيمكن تشبيهها بممارسات بقية السياسيين، الحليف منهم والخصم، عبر “تويتر”، علماً أن “تغريدات” نصر الله أطول وأكثر كلفة. فالرجل يظهر عبر شاشة، يرشق أقواله ويمشي. ولا يعود يكترث لردود الأفعال، تاركاً مهمة الاشتباك مع “أعداء الداخل” لحزبه وبيئته الحاضنة.

بالنسبة إلى الزعيم وليد جنبلاط، فتغريداته تتميّز بالصور المصاحبة التي يختارها بعناية لتناسب مضمون رسائله، ما ينمّ عن ذائقة فنية وثقافية. إلا أن مضامين رسائله تبقى من قبيل إسداء النصح والتساؤل عن المصير والتنبيه إلى أخطار محدقة… وبعضها مكتوب بغموض لعلّه متعمّد.

هذا الزعيم المثقّف الفنان، كتب في إحدى تغريداته حول المصالحة مع “حزب الله”: “… التواصل أفضل للتعبير عن وجهات النظر المختلفة والتأكيد بكل هدوء على حق كل فريق بالتعبير الهادئ…”. وهو كان اختلف، منذ وقت قريب، مع النائب والوزير جبران باسيل، وكلاهما غِرّيد، وكادا أن يجرّا البلد إلى شفير حرب طائفية ثالثة، من خلال حادثة قبرشمون. ثم لم يلبثا أن تصالحا فوق شرفة خلفية مطلّة على جبال عالية “ما بتنطال”.

وفي إحدى تغريداته، كتب باسيل: “آن الأوان لتغيير سياسة لبنان المالية… وآن الأوان لتحويل إقتصادنا إلى الإنتاج… وليكون لبنان مكتفياً بالكهرباء… ومصِّدراً نفطاً وغازاً وليس شباباً”. رئيس أكبر كتلة نيابية (للتشريع) وأكبر حصة في الحكومة (للتنفيذ)، مازال، بعد سنين من التمكّن، يعقد النية على أداء واجباته.

لم ينجُ العمل الصحافي من تأثيرات تغريد السياسيين: “غرّد (فلانٌ) في حسابه في تويتر قائلاً…” أو “في تغريدة لـ(علتان) ينتقد فيها…” أو “في ردّه على تغريدة النائب…” باتت من الصيغ السائدة في المواقع الإخبارية. تغريد في كل الأوقات يعطي انطباعاً بأن لبنان أمسى حديقة لعصافير سياسية.

المضحك أن الصحافي يكتفي بنقل محتوى التغريدة، شابكاً مقاطعها بأدوات وصل، تحيّر القارئ، أحياناً، أكثر مما ترشده إلى مضمون النص بوضوح. وتحت المقطع المكتوب، يتكرّر نص التغريدة الأصلية، الأمر الذي قد يزعج القارئ، خصوصاً في حال معالجة أكثر من تغريدة. أما المطلوب فهو، قليل من المهنية والجهد، لجمع التغريدات في نص واحد.

والمبكي في هذا الاستسهال هو الصور التي تصاحب الأخبار: هي تغريدة يلتقطها الصحافي ويعمل على صياغتها، لكنه يرفقها بصورة من وحي المضمون، لا بصورة فعلية ملتَقَطة في مكان الموقف وزمانه.

فلو كان الرئيس سعد الحريري “يغرّد” انزاعجاً من أمر ما، يأتي الصحافي بصورة للرجل متجهّماً. وفي حالة وئام مع باسيل، يأتي الصحافي بصورة لهما يتبادلان فيها الابتسامات، في حين أنها تغريدة ربما كتبها الحريري قبل خلوده إلى النوم. وفي هذا الارتكاب الصحافي تحريف، وتوجيه القارئ إلى ما لا يقصده المغرّد.

بواسطة
زكي محفوض صحافي لبناني
المصدر
المدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق