مقالات

الاستشارات والحكومة المعلقة… دور بائت في ثياب مهترئة

على رغم رد القوتين الغالبتين نيابياً (الكتلة الشيعية المزدوجة والكتلة الرئاسية) الأزمة السياسية العامة إلى أسباب اجتماعية واقتصادية “خالصة”، وتبرئة الائتلاف الحاكم أو ركن “النظام” منذ التسوية، ثم منذ الانتخابات النيابية، من المسؤولية عنها، سعت الكتلتان الغالبتان في توكيل حكومة شبيهة بالحكومة المستقيلة بمعالجة الأزمة، وإقناع المتظاهرين والمعتصمين بالعودة إلى منازلهم وأعمالهم وسيرة حياتهم. والإصرار على الموازين الحكومية القائمة، وعلى استئنافها على الحال التي كانت عليها قبل قبول حكومة مختلطة يرثها سعد الحريري نفسه، هو دليل على رفض الإقرار بالوجه السياسي الحاد الذي تضمره “الثورة” أو الحركة الشعبية، أو تعلنه على بعض التردّد والحياء.
العسكرية الأمنية
فما تنشده الكتلتان هو جرّ الكتل الأخرى، الحريري وجنبلاط واستثناء “قوات” جعجع، إليه هو توريط أطراف “تسوية وطنية” جامعة وخاسرة في إدارة أزمة ناجمة أولاً عن الشروط التي اشترطتها الكتلتان الغالبتان، وارتضتها الكتل المنقلبة إلى المعارضة أو المتحفّظة اليوم، على صيغة الحكم. وقضت التسوية بإرساء السلطة وسياسة الدولة عموماً على موازين قوة. فتوكل إلى الكتلتين الغالبتين، الشيعية و”المارونية”، القرار الفصل في شؤون السيادة وفي اقتسام بعض المنافع والموارد وتوزيعها، وتترك إلى الشركاء المتحفظين جزءاً من المنافع والموارد هذه.

ويراعى في الأمر، بعد تحكّم القطب العسكري والأمني الأقوى (الحزب “الشيعي”) في “معادلات” السلطة وتمكينه في دوره هذا، تكثيرُ الولاءات والزعامات الثانوية في صفوف الجماعات المتحفّظة، واستعداؤها العصبي على أقطابها، وتوفير أسباب الاستقطاب المحلي لها. وذلك من طريق توزيع بعض موارد الدولة عليها، من تيسير المعاملات والحصول على الرخص إلى “التمثيل” الإداري والبلدي والنيابي والوزاري. ويفضي التوزيع على هذا الشكل إلى بناء أحلاف وكتل قريبة من التعادل على قاعدة الحق في توازن المصالح. فنظير كل إجراء (معاملة، رخصة، التزام، موظف، عضو بلدية…) تملي قاعدة التوازن اتخاذ إجراء يساويه.

والإشراك في الحكم، على هذه الشاكلة، يوزّع المنافع، من وجه، ويقيد المنتفعين ويلحقهم بالقائم أو القوام على التوزيع والإشراك، من وجه ثان، ويتستر على مسؤولية القطب الغالب، من وجه ثالث. وحين يصر محور الكتلتين (الشيعية والعونية) على “عودة” سعد الحريري، فالسبب في إصراره ليس المعيار الأخلاقي الذي يقضي بتحمّل المسؤولية عن الأزمة العميقة التي ترقى زمناً إلى الصفقة السورية (الأسدية)- الحريرية (والسعودية). وإنما المعيار أولاً ما يترتب على سياسة توازن المصالح التي أرساها الطاقم الاستخباري الأسدي:

1) ربط الوجود السياسي ودوامه بالاشتراك في مرفق من مرافق الحكم، والرضوخ للإعدام السياسي وربما الجسدي في حال الامتناع،

2) الرضا بالشطر العائد إلى الشريك والاقتصار عليه، وتوقع الإلغاء في حال المخالفة،

3) الرضوخ للوصاية، وتحمل تبعات المهمة الشكلية الموكلة إلى “القائم مقام”.

وحين رضي سعد الحريري بصفقة 2016 عمل بموجب المترتبات الثلاثة. فأقر ضمناً بأن دوام كيانه السياسي هو رهن شراكته في الحكم، وتوزيعه على أنصاره وناخبيه و”ناسه” (على قول تعليقة على بعض صوره الزيتية) عوائد الشراكة الملموسة. وقَبِل، تالياً، التزام التضامن مع رئيس تحرر من تلقائه، وتلقاء سنده العسكري والأمني، من اشتراط الدستور عليه مزاولته “رأسيته” التنفيذية من داخل مجلس الوزراء مجتمعاً (على ما ذكر فؤاد بطرس، وزير الخارجية الشهابي الراحل، الرئيس الياس الهراوي حين أخذته نشوةُ الرئاسة “الأسدية” في 1993). ولم يتنصل من إجراءات وزارية أقرت على الرغم منه، على قوله. وهذا كذلك من مترتبات “النظام اللبناني – السوري”، أو “اللبناني- الحزب اللهي” منذ الجلاء السوري. فالقوة العسكرية والأمنية الغالبة تأتي بمن تريد إلى السلطة أو بمن يناسبها موقتاً وهي على علمٍ تام بالنهج الذي يستتبعه اختيار “المحظي”. وتعد العدة للطعن فيه، وتوزّع إعلان المطاعن على الطاعنين من “زملاء” الحكم وشركائه، ومن إعلاميي إعلام الوشاة والمخبرين و”الكم الهائل من المعلومات”.

تفكك الكتلة “التاريخية”

وحين يرجئ رئيس الجمهورية اليوم استشاراته “المُلزمة”، لا يتستّر على انتهاجه التقليد الاستخباراتي الأسدي في استباق تشكيل الحكومة العتيدة من وراء ظهر النواب ومجلسهم وكتلهم. فعلى خلاف البند الإصلاحي الدستوري الذي تصدّر برنامج “الحركة الوطنية”، العروبية والإسلامية فعلاً، في 1975- وهو انتزع من الرئيس الماروني سلطة ترشيح “شخصية” سنية، وحده ومستنسباً، تتولى تشكيل الحكومة وتطلب الثقة من مجلس النواب-، وأوجبه الدستور المعدّل في صيغة “الحكومة مجتمعة” (“جسداً ماثلاً”، على القول الفرنسي)- على خلاف البند هذا تولت سلطة الأمر الواقع السورية تشكيل الحكومات على المثال “الجامع” المعروف. ويخلفها المحور الغالب اليوم، الشيعي- العوني، على التشكيل. ويريد خلافتها على حظر المعارضة وتجريمها، والتستر بالقوى المتحفظة والمتواطئة والخاسرة على سياسته، وعلى تنصّله من تبعات سياسات حلفائه وأنصاره المنقادين له.

ويعلل أنصار المحور الغالب النهج الاستباقي هذا برجحان كفة المحور النيابية والشعبية. ويضمر التعليل، على ما لا يعلن، أمرين واقعين. الأول هو تقديم إنجاز الكتلة العسكرية والأمنية، أي إجلاء المحتل الإسرائيلي عن الألف كلم المربعة اللبنانية، على بنية الدولة المدنية الأخرى وموادها ومجالاتها وأبوابها كلها. والثاني هو تولي الكتلة العسكرية والأمنية الشيعية تعيين رئيس الجمهورية خارج السياق البرلماني. والأمر الواقع الأول يعني تعليق حياة اللبنانيين إلى أبد غير معلوم بحادثة تقوم من اللبنانيين، ومن مستقبلهم ومصائرهم، مقام الختم “الإلهي”. وهذا لاهوت الاستعباد. ويعني الأمر الواقع الثاني، أن رئيس الجمهورية هو رجل الحزب الواحد، وأن التحامَ الكتلة العسكرية والأمنية الشيعية بتكتل ماروني جزئي يعفي مجلس النواب من الاشتراك مع رئيس الجمهورية في تسمية رئيس مجلس الوزراء، ومن اختطاط سياسة مركبة ومؤتلفة من مصادر ومصالح متنوعة ومختلفة مشروعة.

والحق أن أركان “النظام اللبناني- الحزب اللهي”، العسكري والأمني، تصورت على نحو مقبول ما وسع الصفقة الأسدية- الحريرية الاضطلاع بوظائف اجتماعية واقتصادية ومالية حيوية على حد “أدنى” (مرن). وما وسع الجماعات الأهلية الاكتفاء بفتات الصفقة، والاعتيال عليها وعلى عوائدها. وما كان في مستطاع الكتلة العسكرية والأمنية الشيعية، بعد جلاء “الوجود” السوري، ترجيح الإنجاز الحربي و”الوطني” ومعاييره على وجوه حياة اللبنانيين الأخرى. وما لم ينهض ويحصل ما يكذب تربّع الكتلة العسكرية والأمنية في سدة قوة حاكمة مشروعة، وتتولى رعاية مصالح المواطنين السياسية (في الاستقلال والسيادة والديموقراطية) والاجتماعية، معاً.

و”ثورة” اللبنانيين، في أعقاب حوادث كثيرة، تكذب هذا الزعم. وتمثل تمثيلاً حاداً على انفصام الكتلتين الغالبتين، وعلى افتعال وحدتهما الظاهرة. فما افترضه الحلف الشيعي- العوني هو اقتسام المتحالفَين تمثيل ركيزتي الاجتماع السياسي اللبناني: الركيزة السياسية (السيادية) والركيزة الاجتماعية (المصالح)، بل وتطابقهما واتفاقهما. وتداعت الركيزتان المفترضتان في أثناء العقدين الماضيين وانهارتا انهياراً مريعاً. فتَحقق أن للركيزة السياسية، الشيعية أولاً، جمهوراً اجتماعياً، إذا جازت العبارة، عريضاً، وتكلفة اقتصادية باهظة على الدولة والمجتمع اللبنانيين المشتركين. وتَحقق أن للركيزة الاجتماعية، المسيحية، جمهوراً سياسياً وسيادياً وطنياً طوى ثقل “الإثم الانعزالي” الذي يُمنِّنه العونيون بتجاوزه من طريق وثيقة شباط (فبراير) 2006.

وفي الأثناء تهافتت الولايات الاستبدادية، الدينية المذهبية والقومية المذهبية والعصبية، واستثارت حروباً أهلية وطبقية اجتماعية وإقليمية مدمرة في طول بلدانها وعرضها.

بواسطة
وضاح شرارة كاتب وأكاديمي لبناني
المصدر
المدن _ بيروت نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق