مقالات

السقوط الكبير وأهلُ الكهف

لبنان الوحيد في العالم الذي يواجه الانهيار بفراغ حكومي ودستوري. رئيس الجمهورية لا يفعّل المادة الدستورية التي  تلزمه ببدء الاستشارات النيابية لتسمية الرئيس المكلف تأليف حكومة. والدستور لا يلزمه بمهلة. الحكومة المستقيلة التي “تصرّف أعمال في المعنى الضيّق” مشلولة. وكل لحظة استئخار في تأليف الحكومة تحفر في الثقب الأسود. أفُل الوقت الذي كنا نتحدث فيه عن تلافي الانهيار. حلّ محلّه وقف الانهيار لنطفو على السطح بما تيسّر من متاع دولة سقطت مرة واحدة، من دون سترة نجاة. ودون ذلك تكلفة باهظة ندفعها كل يوم من مال لا نملكه في الأصل ونستدينه. ومعالم فتنة تتنقل بين منطقة وبين أخرى بأيدي متسلطين على الدولة وقرارها، بدعاوى بائسة وترّهات لا تستند إلى أي عقل ومنطق ووطنية. وبإذعان ممّن أوتوا السلطة بموجب دستور معطّل في دولة فاشلة. بينما تتعمّق الأزمة الاجتماعية إلى مندرجات فقر سريعة على شفا الجوع، بانهيار سعر صرف الليرة على رقّاص الساعة. وفقدان الأجور قوتها الشرائية والتبادلية على الدولار، وعلى العملات الأجنبية. وباقتراب الأسر الشريفة المكافحة من المجاعة والعجز عن شراء الدواء والاستشفاء والتعليم والخدمات الإنسانية  كافة.

شبح فتنة
كتبنا عن “الأزمة العميقة والدولة الهشّة”. وبدء “ولوج الطريق إلى القاع”. ووصلنا للأسف. لا نحتاج إلى حكومة تصرّف اعمالًا في المعنى الضيّق، مقدار حاجتنا إلى حكومة إنقاذ وطنية تقي البلاد والعباد شرّ ما أتى به الأوائل. وحين يدعّي رأس الدولة أن استئخار استشارات تأليف حكومة بديلة مرده إلى درء عقبات قد تستأخر التأليف، بعد إنجاز الاستشارات وتستأخر البيان الوزاري ونوال الحكومة ثقة مجلس النواب، فيعني كل ذلك أمرًا واحدًا. أن الحكومة ستكون جاهزة بعد الاستشارات والتأليف مع البيان الوزاري لنوال ثقة مجلس النواب والشروع في العمل. وإلّا لماذا كان شراء كل هذا الوقت؟ ومن يتحمّل مسؤولية التعطيل؟ فإذا كان الدستور ألا يلزم هذا الوضع رئيس الجمهورية ببدء الاستشارات فورًا؟ خصوصًا إن قسطًا كبيرًا ممّا وصلنا اليه كان جراء تجاهل الدستور والقوانين وتجاوزها.

رئيس الجمهورية و”فريق الممانعة” يصران على ما يسمّى حكومة وفاق وطني. أي حكومة الأوائل نفسها التي عطلّت الدستور والنظام البرلماني الديموقراطي. واجتثّت قيام معارضة حتى من ضمن النظام السياسي البائس الذي نحصد ما زرعه انهيارًا ماليًا، ونموًا سالبًا، ومجاعة وشبح فتنة يفتعلها مفلسون سياسيًا بلا حجة ولا منطق ولا قضية. حكومة التسويات النفعية الكذوب هي التي عطلّت هيئات الرقابة والمحاسبة، وإدارة المناقصات، وديوان المحاسبة، والتفتيش المركزي بكل كياناته. التسويات النفعية غير المستندة إلى قاعدة سياسية صادقة وشفّافة التي اشترك فيها كل أحزاب السلطة، هي التي نحصد زرعها أيضًا. لهذا يرفع الشعب اللبناني وثورته السلمية الراقية والحضارية “كلن يعني كلن”، شعارًا لخلاص البلد وإنقاذه. ولهذا ارتعب سدنة النظام من الثورة. وراح بعضهم يكيل التهم لها جزافًا، ويعتدي على شبابها وشاباتها في الشوارع بالضرب والشتيمة. بينما البعض الآخر ترجّل إلى صفوفها تقيّة ولبس لبوسها. وهو كان جزءًا من التسويات النفعية على تقاسم الحصص والإدارة العامة منذ انتخاب رئيس الجمهورية وتأليف الحكومة المستقيلة.

بعد “شهر الصوم الكبير”، يريد الشعب حكومة من خارج سدنة النظام. وليس بالضرورة أن تُعرف وجوه أصحابها إلا من خلال سيرهم الذاتية، وكفايتهم ومسارهم الوظيفي والأخلاقي. حكومة كهذه ليست مطالبة بالإنقاذ. بل باعادة تأسيس ثقة ولو على لائحة الانتظار لتفعيل الدستور والقوانين الموجودة. أنتم بلا ثقة لا بديل منها لوقف الانهيار الكبير المحتوم لو طال القطاع المصرفي وحقوق الناس. إستولدتم الأزمة. ونهبتم المال العام ونقلتم البلد إلى درجة الإفلاس. رياءً يردّد السذّج، من أين نأتي بمستقلين لحكومة مستقلّة؟ سنقول أكثر. حتى أفيال الأدغال ليست مستقلة عن بيئتها ومحيطها وظروفها. فهل يقصد هؤلاء أن يكون رئيس الحكومة المستقّلة ووزراؤها مجردين من الميول السياسية والفكرية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية كي نبحث عنهم ولا نجدهم؟ كلا. يريدونهم من البطانة وزبائن البلاط وكرّازات الأحزاب الطائفية والفساد. بينما الشعب يريد من المستقلين علمهم وفكرهم ونزاهتهم. ويريد استقلالهم عن تلك الأحزاب والتيارات والحركات السقيمة العفنة. وهؤلاء موجودون. وصدّر النظام منهم ما يكفي ليبنوا ازدهارًا ونموًا في بلدان الاغتراب. من بقي انتفض ثورة جامحة سلمية وحضارية لتغيير المسار. ورفض أن يكون في نظام الزبائن  متملّقًا ومواربًا.  كان الأديب توفيق الحكيم مغرقًا في ليبراليته. لم يكن كما هو معروف على وفاق مع جمال عبد الناصر. كتب له في “عودة الوعي”، لا يريد الحاكم من المفكّر تفكيره الحرّ بل تفكيره الموالي. ورسالة المفكّر في جوهرها هي الصدق والحرية. وحين ارتحل عبد الناصر بكاه توفيق الحكيم. وأكمل ينتقد بقسوة خلفه أنور السادات.

سيولة أم ملاءة؟
لا يحتاج الوضع إلى حكومة تصريف أعمال لا تصرّفها. بل إلى حكومة صلبة صلابة الأزمة القاعدة على صدور اللبنانيين، تبث فيهم الخوف على مدخراتهم وأجورهم وديمومة عملهم. والقلق من فقدان المواد الغذائية والطبية. لا يمكن الوضع أن يستمر في هذه الفوضى العارمة. قيود على السحوبات والتحويلات من خارج القوانين. سعر الصرف متلفت. ولا توجد خلية لتدير الأزمة في انتظار حكومة يراكم الفراغ مفاعيلها، ويستنفد قواها قبل تأليفها. السؤال المفتاح. هل هناك أزمة سيولة في المصارف أم أزمة ملاءة؟ وهل هناك فجوة بين الموجودات وبين المطلوبات؟ إذا كانت أزمة سيولة فيمكن الحد من آثارها بقرار جريء منسّق من مصرف لبنان والمصارف تتكفله الدولة. ويمكن للمصرف حينئذ التكيف بمرونة في تسوية استحقاقاته تبعا لاتفاق مع العملاء في ظروف أقل توترًا. الدولار الأميركي موجود لدى مصرف لبنان والمصارف. ويمكن طرح جزء منه السوق لوقف الطلب الجائر. ولتيسير شؤون صغار المودعين وتلبية الطلب التجاري على سلع محددة وضرورية، بالإضافة إلى المحروقات السائلة والأدوية والقمح. واذا كانت مشكلة ملاءة وفجوة، وجب الإعلان عن ذلك بجرأة. وفي الحالين ضمن إطار زمني لمرحلة انتقالية تتبلور بعد سقوط الوحي الوطني وتأليف الحكومة. وكل استئخار يزيد من الهلع ومن تكلفة السقوط.

بواسطة
عصام الجردي
المصدر
المدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق