مقالات

46 يوماً على الثورة: الشارع أمام امتحان الوضوح

تغيّر الكثير في اليوم السادس والأربعين من الثورة. لم تعد الساحة كما كانت في الأيام الأولى، لا بل ليست كما كانت الأسبوع المنصرم. ما الذي حصل؟ هل نجحت السلطة في تخويف الناس؟ هل تسلل التململ إلى النفوس؟ أحداث الأسبوع الماضي فعلت فعلها؟ أسئلة كثيرة كانت تتردد أصداؤها في أرجاء ساحتي رياض الصلح وساحة الشهداء. أسئلة يبدو أنه آن أوان طرحها، من أجل عودة الروح الثورية إلى شارع يُدرك جيداً أن خروجه من الساحات يعني الاستسلام لسلطة ستتفنن في الانتقام من الناس، وستقف مكتوفة اليدين أمام انهيار اقتصادي هي المسبب الوحيد به.

في المحبة والسلم الأهلي!
فجأة، اختفت السياسة في الساحات، تحديداً في العاصمة، فيما باقي المناطق متقدمة كثيراً على بيروت، بينما كان المنتظر أن يكون العكس، لرمزية المدينة ولقدرتها على ليّ ذراع السلطة لأسباب كثيرة أولها وأهمها، مركزية الدولة، التي تجعل من أي تحرك على صغر حجمه، سبباً لتهديد عروش من يجلسون على صدور اللبنانيين. اختفت السياسة ليحل محلها شعارات تُوحي وكأن الحرب الأهلية عادت من بوابة بضعة صبية قرروا أن يمارسوا فعل التشبيح على جسر الرينغ، ليتحوّل هذا الفعل إلى “بعبع” صار الجميع يحاول احتواءه وكأنه واقع، والمتاريس على خطوط التماس، وعلى الناس أن تركض لتقول إنها تُحب بعضها البعض وليست بوارد اقتتال غير موجود أساساً إلا في ذهن السلطة وأزلامها.

فبعد “حب” عين الرمانة والشياح والأشرفية وخندق الغميق، صار الشغل الشاغل للناس أن تُثبت أنها مع السلم الأهلي. السلم الأهلي الذي فجأة صار بخطر لأن الناس طالبت بحقها في الحياة وبمحاسبة المسؤولين عن إذلالها. هذا ما ينطبق اليوم على ساحتي بيروت طيلة النهار قبل أن يعيدها جزئياً وصول تظاهرات المتحف وساسين ومصرف لبنان. لكن حتى هؤلاء لم يكونوا بزخم الأيام الماضية، بل حتى بعض الشعارات التي رُفعت وكأنها تأتي استكمالاً لهذا الأسبوع الطويل من إثبات المحبة. بعضهم ذهب أبعد من ذلك، ليردد هتافات العداء لإسرائيل وكأنه يرد على فحص الدم الوطني الذي تمارسه بعض أحزاب السلطة.

السوق والمناكفة
قبل وصول هذه التظاهرات. الساحات التي كانت “ميتة” ساعات الظهر، شهدت أيضاً على امتداد فعل المحبة. أمام مبنى اللعازارية شاب وصبية يؤدون عملاً مسرحياً يُعبرون فيه عن ويلات الحرب وعن العبر التي يجب أن نستخلصها. الشاب والشابة من مواليد ما بعد الحرب الأهلية، لماذا يريدون أن يحملوا وزرها ويكونوا إلى جانب أهلهم في التكفير عن شيء هم غير مسؤولين عنه؟ لا جواب لدى غالبية من كانوا يشاهدونهم. هذه المشهدية هي أيضاً استمرار لفعل التكفير عن ذنب التظاهر الذي بدأ منذ أسبوع. هذا الفعل لا يبالي به طلاب الجامعات والمدارس الذين انكفأوا الأسبوع المنصرم، أحدهم يقول: “أنا لا تعنيني الحرب ولا أريد أن أحمل وزر ما اقترفه أهلي. أريد بلداً أعيش فيه بكرامتي فقط لا غير”. توازياً كان يصدح صوت مكبرات الصوت في ساحة الشهداء وتحديداً من مسرح العسكريين المتقاعدين بأغنيات ليست ثورية طبعاً، بل هي عبارة عن كوكتيل محبة بين الطوائف المختلفة.

وسط كل هذا، لا وجود للخطاب السياسي إلا فيما ندر. استعاضة عنه، قرر البعض أن يقيم سوقاً للمنتوجات الوطنية. أحدهم وهو يجلس في ساحة الشهداء ويبدو حانقاً من المشهد، يقول “هيدا يلي كان ناقصنا، سوق الطيب بفرع جديد”. لعل صدى كلماته هو في الحقيقة، ما يشعر به كثر في ساحات بيروت، خاصة من يُدرك الذي يحصل من شد حبال بين المجموعات، كان حزب سبعة والعسكريين المتقاعدين أبطاله تحت ما يُسمّى بهيئة تنسيق الثورة التي تحاول أن تفرض أجندة مشبوهة على الناس المنتفضة، ليُضاف إليها مؤخراً “تنقير” واضح بين المجموعات الأخرى فيما بينها، وطبعاً غالبيتها لديها حساباتها ومصالحها التي بدأت تُثقل كاهل الثورة وتساهم من حيث تدري أو لا تدري في تحقيق مطلب السلطة.

مهما كان الثمن
بين الناس في الساحة، حديث واضح مفاده أن الحنان الزائد هو مقتل الثورة. وهو ما تعوّل عليه أحزاب السلطة، لكي تنهي على أكبر تهديد لها منذ نهاية الحرب الأهلية اللبنانية، وتحديداً منذ اتفاق الطائف. غالبية من هؤلاء يُجمعون على أن الثورة هذا الأسبوع أمام امتحان العودة إلى الوضوح. هذا الوضوح الذي من شأنه أن يُعيد الزخم ويعيد الناس إلى المنطق، إلى الثورة على النظام الفاسد من رأسه إلى أسفل أسفله. التمييع الحاصل اليوم هو العدو، كما السلطة. من يستمر به هو جندي صغير يريد أن يكون خادماً لدى جيش المستفيدين من مقدرات البلاد.

“الثورة مش طبق بيتاكل بالشوكة والسكينة” جملة تختصر مشهد الأسبوع المنصرم. في ساحتي رياض الصلح والشهداء رأي غالب مفاده أن مهادنة هذه السلطة يعني النهاية. وفي الساحتين قناعة بأن العودة إلى الأساليب التي توجع هو الحل. الأساليب التي توجع؟ قطع الطرقات، شل المرافق العامة، الخروج من دوامة الخوف من الآخر، التحلي بشجاعة المطالبة برحيل من هم مسؤولين عما وصلنا إليه، الخروج من الحسابات الضيقة واستعادة الناس الذين ملّوا من التسويات المرحلية ويريدون تغييراً فعلياً. الثورة في يومها السادس والأربعون أمام امتحان الخروج من الخوف، إلى التغيير الفعلي، مهما تطلب الأمر. مهما كانت الأثمان.

بواسطة
أيمن شروف كاتب وصحافي لبناني
المصدر
المدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق