مقالات

طريق بعبدا بين هيستيريا العونيين وعوارض “سبعة”

الوقوف على ناصية قصر بعبدا والمطالبة بضرورة إطلاق الاستشارات النيابية، وتسريع تشكيل حكومة إنقاذ من خارج السلطتين السياسية والمالية، مطلب سياسي بديهي. مطلب أول وواضح في توجّهه وهدفه ومبرراته. وعلى الرغم من أنّ كل ساحات لبنان ترفع هذا المطلب، لا بل يرفع بعضها سقفاً أعلى بالمطالبة بإسقاط رئيس الجمهورية ميشال عون، لم يحتشد على طريق بعبدا إلا العشرات. وجاء هذا العدد الخجول بفعل عوامل عديدة، منها الداخلي الخاص في الحوار والتواصل بين مجموعات ثورة 17 تشرين، ومنها السلطوي المتمثّل بهيستيريا عونية في حالة بعبدا.

الهيستيريا العونية
استبق جمهور التيار الوطني الحرّ وأنصار الرئيس ميشال عون، اعتصام المتظاهرين الذي كان محدداً على مدخل قصر بعبدا، بالتجمهر باكراً في النقطة نفسها. عند الظهر كان عشرات العونيين قد بدأوا بالوصول إلى بعبدا، وتلتها مئات حضرت بأعلام لبنانية وأخرى برتقالية وصور الرئيس المذيّلة بعبارة “لبنان القوي”. كانت هذه الخطوة بمثابة “السلبطة”. جمهور محمي من السلطة والقوى الأمنية يحتلّ محور التظاهر لمنع المعترضين من التعبير عن رفضهم لأداء الرئيس والسلطة بشكل عام. وتمثّلت هذه الحماية الأمنية من خلال فتح الجيش الطرقات أمام هذا الجمهور والسماح بوصوله إلى الساحة، في حين تمّ قطع الطرقات المؤدية إليه في وقت لاحق، لتُقطع بذلك السبل على الجمهور المعارض.

وعلى الرغم من هذا المكسب الميداني، عاش العونيون حالة من الهيستيريا في الشارع. وعدوى تأليه الزعيم انتقلت إليهم. كانوا مصابين بها أساساً، إلا أنّها تفاقمت في خلاياهم. فخرجت عن بعضهم مواقف عبادة الرئيس، فعلياً، مثل “هو الله على الأرض”، “الله في السماء على عرشه، على يمينه ميشال عون وعلى يساره جبران باسيل، ونحن على الأرض”. هذه سمة زعماء الطوائف وأحزابها وجمهورها. ومع بدء وصول المتظاهرين المنضوين تحت الثورة، تبدّلت “السلبطة” وتحوّلت إلى بلطجة. حاولت مجموعة من أنصار التيار الوطني الحرّ محاصرتهم حيناً، والاعتداء عليهم بالحجارة حيناً آخر. كما تعرّض موكب سيارات آت من جهة الفياضية إلى الرشق بالحجارة، ما أدى إلى إصابة عدد من الموجودين فيه إصابات طفيفة. والبلطجة من سمات أحزاب الطوائف أيضاً.

عوارض حزب سبعة
كان حزب سبعة أول الداعين إلى الاعتصام على طريق بعبدا يوم الأحد. تكفّل الحزب بهذه الدعوة منفرداً، كما أطلقت دعوات أخرى على التواصل الاجتماعي انطلقت في الأساس من هذا الحزب. للمرة الرابعة، توالياً، تكون هذه الدعوات الفردية من “سبعة” موضع خضة أمنية.

سبقها اعتصام في بعبدا نفسها قبل خمسة أيام، قطع طريق “الرينغ” قبل أسبوع، ما أدّى إلى “الغزوة” الشهيرة، قطع طريق جل الديب قبل عشرة أيام وحالة القمع الوحشي التي تعامل فيها الجيش اللبناني مع المتظاهرين. تبدو خطوات هذا الحزب متماشية تماماً مع سياسة القمع التي تنتهجها السلطة، من خلال الشبيحة حيناً والأجهزة الرسمية حيناً آخر. وأدت جميع هذه الخطوات بشكل مباشر إلى خدمة السلطة ميدانياً، عبر تعميم سياسة الترهيب وتخويف الناس من المشاركة في التحرّكات. وعبر جعل أدوات الاعتراض على السلطة وأهمها قطع الطرقات والنزول إلى الشارع في محاور (نقاط) أساسية، من الخطوط الحمر. وهنا الحديث عن “الرينغ” وجل الديب بشكل فعلي، وربما بعبدا في وقت لاحق.

وما يثير التساؤل أيضاً كيف أنّ غزوة وسط بيروت الأولى لم تطل منصّة الصوتيات الخاصة بهذا الحزب. تضرّرت كل الخيم والمنصات، إلا تلك الخاصة بـ”سبعة”. أمر يثير الريبة في صفوف المتجمهرين في الساحات. هذه من عوارض حزب سبعة، الذي فشل مجدداً في حشد الناس حوله، تضاف إلى عوارض القطب المخفية الأخرى، وما يحاك تحت طاولات الحوار مع السلطة بحسب ما أشيع ويشاع. “سبعة” التقوا السلطة والزعيم الفلاني… كل ذلك إذا صحّ لا بد أن ينفضح، لا بد أن يخرج إلى العلن على شكل مقعد وزاري أو من خلال صورة فوتوغرافية ستنتشر. لكن الأكيد أنّ هذا الحزب معرض شكوى من أغلب المجموعات المشاركة في الثورة. شكوى بمثابة إخبار للنيابة العامة الثورية بتهمة التعامل مع السلطة.

عيد ونادر
أمس حضرت رئيسة حزب سبعة، غادة عيد، إلى الحظيرة التي خصصها الجيش اللبناني لجمهور الانتفاضة. كانت أشبه بحظيرة مسيّجة بالأسلاك الشائكة والعسكر. أطلّت على الكاميرات وعبّرت عن موقفها المحتجّ على منع المتظاهرين من الوصول إلى مكان الاعتصام، لتعلن بعدها الانسحاب إلى منطقة الشيفروليه. كان الحشد بالعشرات فعلاً. وكان ذلك جمهور حزب سبعة من كل لبنان. من الشمال وطرابلس التي سيّروا منها باصاً، وآخر من البقاع. بعد ساعات انضمّ وفد من العسكر المتقاعدين إلى حزب سبعة في الميدان. جاء الدعم، إلا أنه لم يؤثر على العدد كثيراً. وصل زعيم التجمّع، العميد المتقاعد جورج نادر. كان لاهثاً جراء المشي صعوداً وحوله بعض من رافقه. استنكر كيف أنّ “السلطة تحمي حزباً ولا تحمي الناس ولا حرية التظاهر السلمي”، في حين كانت الهتافات الاعتيادية للمنتفضين تتكرّر: 28 ومية كلهم قرطة حرامية. كان هذا الحشد الخجول، معيباً لا يمكن أن يختصر حشود الثورة وجمهورها، ولو أنه يجسّد مطلباً سياسياً أساسياً. إلا أنه بالتأكيد يعبّر عن حالة “سبعة” وعوارضه.

بواسطة
نادر فوز صحافي لبناني
المصدر
المدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق