راجح الخوري… أبكيتنا كثيرًا

29 مايو 2022
راجح الخوري… أبكيتنا كثيرًا


أبكانا هذا الخبر. في لحظات أصبحتَ الخبر وكنتَ قبلهَا صانعه. راجح الخوري بقدر ما كنا فرحين بوجودك في حياتنا المهنية، إستاذًا ومعّلمًا وزميلًا ورفيقًا وأخًا، بقدر ما أحزننا رحيلك. كنت تصارع المرض بكبرياء. لم تخبرنا. لم تشأ أن تنغّص علينا الذكريات، وهي كثيرة، الحلو منها والمرّ. وحتى المرّ منها كان فيها بعضٌ من حلاوة، لأننا كنا جميعًا مطبوعين بوسمة سحر “البشير”. لم تكن القذائف التي كانت تتساقط بغزارة على بيت الكتائب المركزي في الصيفي، حيث كانت مكاتب جريدة “العمل” تخيفنا وترعبنا. كنا نتقوّى بـ”عمو” (جوزف ابو خليل) وبك وبأنطوان عواد.  

 
كانت جميلة تلك الأيام على رغم بشاعة الحرب وأهوالها. كنا نسرق الوقت خلسة، بين قذيفة واخرى، لنلجأ إلى جلسة في “شاليه الرمال”، وكان حضور الراحلين بيار صادق والياس الرحباني يزيد جلساتنا إنسًا وحلاوة، فننسى ما نحن فيه، وما إليه صائرون. 
 
ما أقدم عليه “الإستاذ” راجح في العام 1976، وكنا لا نزال في السنة الأولى من دراستنا الجامعية في كلية الإعلام في فرن الشباك، كانت مغامرة جريئة. آمن بقدراتنا وبطموحاتنا. وقف إلى جانبنا. دافع عنّا في “المجالس الخاصة”، يوم قيل له “كيف توظّف في جريدة حزبية ملتزمة إشخاصًا غير حزبيين ومتدرجين في العمل الصحافي وليس لديهم أي خبرة”. واجه ومعه جوزف أبو خليل. راهنا على هذا الخيار ونجحا. 
 
إنتقى من دورتنا كلًا من إسكندر شديد وبيار القاضي، رحمات الله عليه، وفيفيان صليبا وجورج شاهين وأرليت النوار، قصاص لاحقًا، وكلود ابو شقرا وكاتب هذه السطور. وضمّ إلينا لاحقًا من الدورة التالية كلًا من أنطوني العبد جعجع وحبيب يونس وجورج صدقة عميد كلية الإعلام، ودنيز مشنتف وروزانا اليان بو منصف ونجوى الأسمر، ولاحقًا إيلي الحاج وبسام ابو زيد وسليم العنتوري وبشاره سماحة، فكنا في عملنا المبتدىء أكثر إلتزامًا وحضورًا. وكانت مكاتب الجريدة بيتنا الثاني، وكنا أسرته الجديدة.  
 
كنا نطبّق في عملنا الليلي ما كنا نتعلمه في الكلية، وكان من بين أساتذتنا إضافة إلى راجح المطرانان بطرس الجميل ويوحنا منصور وجورج الشامي والدكتور أنيس مسلم وأميل داغر وفؤاد حبيقة، وهو أعلام في الصحافة.  
ولكن كان لـ”الإستاذ” راجح بصمة خاصة. فهو كان في الوقت نفسه أستاذًا، بكل ما تعني كلمة أستاذ من معانٍ، وزميلًا ورفيقًا لـ”شلّة” من الشباب الطموح. راهن بكل جوارحه. ونجح في هذا الرهان. 
أذكر يوم كتبت تحقيقًا ميدانيًا عن جبهة الشمال، وبالتحديد عن صمود بلدة قنات، برفقة الزميل المصور فادي الأسمر، وكان يومًا مضنيًا وخطرًا ومتعبًا، أن مزّق لي الاستاذ راجح التحقيق، وطلب مني إعادة كتابته من جديد وتضمينه الملاحظات التي سردها لي. يومها بكيت كثيرًا. وكنت أجبل كل حرف أكتبه من جديد بدمعة. وما إن إنتهيت وكانت الساعة قاربت منتصف الليل حتى أعاد قراءته. وما إن إنتهى حتى إغرورقت عيناه بالدمع، وقال لي بالحرف الواحد: أنا أرى اليوم أمامي صحافيًا واعدًا. وقد ذكّرني بهذه الواقعة بعد 32 سنة يوم تمّ تعييني مديرًا لـ”الوكالة الوطنية للإعلام”. 
 
ما حدث معي حدث بالطبع مع الآخرين. منه تعّلمنا فن كتابة الخبر، وإلى الآخرين نقلنا ما تعّلمناه. 
 
أكتب هذه الخواطر إعتقادًا مني بأنها قد تخفّف عني حرقة الفراق، ولكن عبثًا أحاول. راجح الخوري أبكيتنا كثيرًا.    
 
 ما يحزنني أكثر أنني لن أتمكّن من مشاركة محبيّك، وهم كثيرون، في وداعك الأخير. وأنا بعيد عن الوطن والمحبين لا أملك سوى الصلاة والرجاء.