هيلا هو: الحرب على الناس

15 يونيو 2021
هيلا هو: الحرب على الناس
محمد بركات
محمد بركات

هو إعلان حرب. التعامل معه، بأقلّ من هذا العنوان، سيراوح بين الخفّة والخوف. فبيان النائب جبران باسيل، بعد اعتداء مرافقيه على سيّدة في مطعم بالبترون، هو دعوة صريحة إلى العنف.

وهو يصدر عن وزير سابق، ونائب، ورئيس كتلة نيابيّة، و”رئيسٍ ظلٍّ”، وليس صادراً عن بوق سياسيّ تابع لأحد الأحزاب الميليشياوية.

هو تحريضٌ على الإكثار من الاعتداءات المشابهة، حين يخلص البيان إلى التالي: “النائب باسيل يطلب من جميع المناصرين، والمسؤولين، والمنتسبين إلى التيّار الوطنيّ الحرّ، عدم السكوت إطلاقاً، والردّ بما يناسب على أيّ اعتداء كلاميّ أو معنويّ أو جسديّ يتعرّض له أيّ شخص ‏منهم على يد بعض الناس، الذين لا يقيمون للكرامة وزناً.

انتهى زمن الشتيمة من دون جواب”.


جبران سياسيّ جمع من الألقاب والمناصب ما لم يجمعه غيره، ربّما منذ تأسيس لبنان. في يده تتكوّر السلطات. يعرقل تشكيل الحكومات، يعيّن المدّعين العامّين، يدير أجهزة أمنيّة بالريموت كونترول، يأمر ضبّاطاً ومديرين وسفراء


لم يطلب اللجوء إلى القضاء، ولا إلى الأجهزة الأمنيّة، ولا الاحتكام إلى الرأي العامّ. ببساطة ووضوح، طلب “الردّ بما يناسب على أيّ اعتداء كلاميّ أو معنويّ أو جسديّ”.

أي أنّها عودة إلى شريعة حامورابي: “العين بالعين، والسنّ بالسنّ”. وارمِ في البلّوعة كلّ الكلام عن هيبة الدولة، التي يحكمها عمّه فخامة رئيس الجمهوريّة، قائد الجيش سابقاً، ورئيس الحكومة الأسبق، العماد ميشال عون.

ماذا قالت تلك الفتاة؟

أقلّ من شتيمة حتّى. لا تصل إلى رتبة “الهيلا هو” التي ملأت ساحات لبنان بشتيمة السيّدة المظلومة والدته. ولأنّها كانت وحيدة، ولم تكن عدوانيّة بما يكفي، تكاثر مرافقوه عليها وضربوها.

وهذه رسالة إلى اللبنانيّين، بأن “تكاثروا” و”اشتموا”، حتّى يظلّ جبران مرعوباً وخائفاً من الظهور. وحين تقلّ أعدادكم، وتصيرون فرادى، وتخفضون أصواتكم، سيأتي المسلّحون الجبناء ليضربوكم.

وجبران سياسيّ جمع من الألقاب والمناصب ما لم يجمعه غيره، ربّما منذ تأسيس لبنان. في يده تتكوّر السلطات.

يعرقل تشكيل الحكومات، يعيّن المدّعين العامّين، يدير أجهزة أمنيّة بالريموت كونترول، يأمر ضبّاطاً ومديرين وسفراء… وأمام كلمة واحدة، من امرأة لا تحمل أيّ سلاح، ينهار ويدعو مناصريه إلى العنف.

وهي قالت لـmtv إنّه طلب من مرافقيه أن “يهتمّوا بها”، أي أن يضربوها.

ليس بعيداً أن يكون البيان الحادّ والعنيف، والذي يفتقر إلى أبسط مقوّمات اللغة السياسيّة المحترمة، جزءاً من محاولة جبران إعادة تلميع صورته بين محازبيه وناخبيه. فهو يؤمّن ملايين الدولارات للإعلام منذ قيام الثورة في 2019، لتشويه خصومه، وليجعلهم مساوين له في “السوء”. واليوم ربّما حانت لحظة “العودة”.

وهذه النبرة في البيان ربّما تكون جزءاً من الـ”Come Back”، الذي يحاول القيام به، في صورة القويّ والذي سيواجه.


ليست المرّة الأولى التي يتطاول على اللبنانيّين. في تشرين الأوّل 2019 توعّد خصومه بأنّ نهره سيجرفهم. لكنّ نهر انتفاضة تشرين الثاني 2019 جرف صورته وجرف عهد عمّه، ولا يزال


بالطبع لم نكن ننتظر من جبران أن يصدر بيان اعتذار من الشابة التي ضربها مرافقوه. أيّ رجل سياسيّ عاقل كان ليتراجع، ولو بشكل غير مباشر، أو ليقول ولو كذباً، كلاماً ناعماً، كأن يعتبر ما جرى “خطأً” من المرافقين، أو “توتّراً” لا لزوم لتحميله أكثر ممّا يحتمل.

أي أن يسعى ليحفظ “خطّ الرجعة” مع الرأي العامّ.

لكن مع جبران لا ننتظر العقل. بطل قبرشمون، وبطل الاستفزاز، من “بلطجي” التي رمى بها الرئيس نبيه برّي، إلى مجزرة كاد يتسبّب بها في جبل لبنان داخل العمق الشعبيّ لوليد جنبلاط، وصولاً إلى محاولات كسر هيبة الرئاسة الثالثة، وتعيينه حسّان دياب رئيساً للحكومة، وسعيه اليوم إلى “سحب” التكليف من الرئيس سعد الحريري، وتجييره إلى باش كاتب من “الزلم” الذين يدورون حوله.

دعكم من لغة التحدّي، التي فيها ما فيها من الوقاحة. دعكم من عدم احترامه الأصول القضائيّة والأمنيّة في مخاطبته مناصريه ومحازبيه.

جبران يشبه عمّه في أنّه يخطىء في التقدير السياسيّ. وها هو يتحوّل إلى مدمنٍ لمعارك خاسرة.

إذ لم يسبق أن انتصر أحد على الرأي العامّ. حتّى في سوريا، التي ذبح بشّار الأسد شعبها، لم يُغيَّر الرأي العامّ.

قتل الناس وشرَّدهم، لكن لو أُجريت انتخابات حقيقيّة لما يفوز.

ليست المرّة الأولى التي يتطاول على اللبنانيّين. في تشرين الأوّل 2019 توعّد خصومه بأنّ نهره سيجرفهم. لكنّ نهر انتفاضة تشرين الثاني 2019 جرف صورته وجرف عهد عمّه، ولا يزال.

وجرف كلّ أحلامه الرئاسيّة. وها هو يصارع الآن ليمنع نهر الناس من أن يجرف كتلته النيابيّة في انتخابات 2022.

الضربات التي سقطت من أيدي مرافقيه على تلك الفتاة. القبضات التي ارتفعت ردّاً على كلمة.

الرجال الذين تكاثروا على امرأة وحيدة، لا تحمل إلا لسانها أمامهم، هذه فواتير مؤجّلة، سيدفعها جبران عاجلاً أو آجلاً.

لعلّه يكون “النهر الجارف”، في نسخته الجديدة.

المصدر أساس