ماذا فعلنا لنستعيد ثقة السعودية؟

28 أبريل 2021
ماذا فعلنا لنستعيد ثقة السعودية؟
beirut News
خالد البوّاب

يصاب اللبنانيّون بأخطاء شائعة سياسياً، لكنّها قاتلة. يغيب عن بالهم بيت شعر عربي أصيل له بلاغته وعمق توجّهاته في قراءته التعاطي السياسي العربي، والخليجي تحديداً، مع ملفّ لبنان.

الشعر مفخرة العرب، فيه ملاحم سياسية وإنسانية، يتربّع أبو الطيّب المتنبّي على عرشها، وما أحوج اللبنانيين إلى العودة إليه وإلى بيته:

“إذا أنتَ أكرمتَ الكريمَ ملكتهُ    وإنْ أنتَ أكرمتَ اللئيمَ تمرّدَا” .

من أخطاء اللبنانيّين الشائعة في التعاطي مع الدول العربية، الظنون التفوّقية على الآخرين، والطمع بأنّ كلّ شيء مستباح لهم، حتّى ليظنّوا أنفسهم أرفع وأرقى وأشطر من الآخرين. فيما الآخرون يقولون: “دعهم في غيّهم يعمهون”.

مناسبة هذه المقدّمة وتوقيتها أنّها تأتي في لحظة اتخاذ المملكة العربية السعودية قراراً عقابيّاً بحقّ لبنان، له مفعول رجعي منذ عام 2009، بسبب ما ارتكبه البلد من أخطاء وخطايا بحقّ السعودية في شتّى المجالات السياسية والأمنية والصحّية وغيرها.

دفعت النزعة التفوّقية اللبنانية إلى اعتبار أنّ المجتمعيْن الدولي والعربي لن يسمحا للبنان أن ينهار، وأنّه مهما ذهب بعيداً عن العرب فإنّهم سيستمرّون بتوفير الأموال والدعم له، لكنّ هذه الظنون قد خابت.


من أخطاء اللبنانيّين الشائعة في التعاطي مع الدول العربية، الظنون التفوّقية على الآخرين، والطمع بأنّ كلّ شيء مستباح لهم، حتّى ليظنّوا أنفسهم أرفع وأرقى وأشطر من الآخرين. فيما الآخرون يقولون: “دعهم في غيّهم يعمهون”


غريبة كانت ردّة الفعل اللبنانية في التعاطي مع القرار السعودي، حتّى ذهب البعض إلى حدّ وصف السعودية بأنّها تفرض حصاراً على لبنان، من دون الذهاب إلى إجراء أيّ نقد ذاتي، ولو بسيطاً، لتصحيح المسار الخاطئ الذي يسلكه لبنان منذ سنوات.

ومن الأخطاء اللبنانية الشائعة أيضاً ما يقوله اللبنانيّون في وصف دول الخليج بأنّها لا تمتلك سياسة واضحة، ولا تتمتّع بفكرة المناورة السياسية أو “نصب الفِخاخ”. وهنا مكمن الخطأ، الذي يقع فيه أيضاً الكثير من محبّي السعودية وحلفائها وغيرهم… ومن الطائفة السنّيّة أيضاً، ممن لطالما عبّروا عن غضبهم من غياب مشروع سياسي خليجي لمواجهة إيران أو النظام السوري أو غيرهما من أعداء العرب والراغبين في احتلال المنطقة وزيادة تخلّفها.

لكن بعد تجربة طويلة مع مثل هذه الاعتراضات، يمكن للمرء أن يكتشف بسهولة أنّ طبيعة العمل السياسي والديبلوماسي السعودي مختلفة تماماً عن سياسات كل الدول.

فلا يمكن للسياسة السعودية أن تتنازل عن الثوابت، ولا أن تعتمد الأسلوب الإيراني في اختراق المجتمعات وإضعافها، أو أسلوب النظام السوري في اللعب على أكثر من خطّ وحبل ووتر، وبيع المواقف السياسية.

هنا مكمن الفكرة وعمقها: الحفاظ على الأصالة العربية التي من تعريفاتها البديهية أنّ الرجل أو الدولة “يُربَط” كلّ منهما من لسانه.

أي أنّ “الرجال مواقف”، وليس تصريحاتٍ أو بيانات، ولا ظواهر صوتية ادّعائية مخالفة تماماً لمضمون المنهج أو الموقف.

بمعنى مبسّط أكثر، فإنّ الرجل العربي، تاريخياً، يعتبر أنّ الموقف سلاح، ولا يجدر التخلّي عنه لأنّ في ذلك خيانة.

إنّها إحدى أبرز قواعد العمل الديبلوماسي السعودي، التي تنطوي على سماحة رحبة تصل إلى حدود التغاضي عن أخطاء وخطايا لسنوات، فذلك لا يعبّر عن ضعف أو عدم دراية، إنّما عن ترفّع بموجب الأصالة العربية، إلى أن يحين موعد الحساب، فحينها لا يكون هناك مجال للترقيع والمواربة في إيجاد الحلّ.

وهذا يعني أن حلّ أزمة القرار السعودي لا يمكن أن تكون بعقد اجتماع في بعبدا وإطلاق بيانات متكرّرة لا جدوى منها ولا فعّالية لها.


هنا مكمن الفكرة وعمقها: الحفاظ على الأصالة العربية التي من تعريفاتها البديهية أنّ الرجل أو الدولة “يُربَط” كلّ منهما من لسانه


تعتمد استراتيجية العمل الديبلوماسي السعودي في لبنان على مفهوم “الديبلوماسية المستدامة” لخلق شراكات استراتيجية بأطر مؤسّساتية للحفاظ على مكتسبات العلاقات الثنائية بين البلدين.

هذه الفكرة التي لم يجد لبنان السبيل إلى تطبيقها والاستفادة منها، لا بل مضى بعيداً عنها، فوضع نفسه في عزلة.

والأهمّ، في التقدير السعودي للوضع اللبناني، أنّ اللبنانيّين يعيشون حالة إنكار لحقيقة مرّة، وينطبق عليهم قول آينشتاين: “الجنون هو أن تفعل الشيء نفسه مرّة تلو أخرى وتتوقّع نتائج مختلفة”.

تلك هي الفكرة الأساسية التي لا بدّ للبنان الرسمي من التوقّف أمامها مليّاً، ليتمكّن من إصلاح علاقاته والعودة إلى مصافّ الدول المحترمة.

عدم الاهتمام السعودي بلبنان لا ينعكس على السعودية سلباً، بل لبنان هو الذي يتضرّر منه، وها هي معالم الضرر قد أصبحت واضحة.

يبقى تغيير المنهج هو الطريق الوحيد لاستعادة لبنان مكاسبَه، بسلوك طريق الأصالة لا المواربة في أساليب ملتوية على القواعد السياسية الأساسية.

وهذا يبدأ سعودياً بتطبيق جملة شروط أصبحت معروفة، وأعلنها السفير السعودي وليد البخاري خلال زيارته لقصر بعبدا:

1- الالتزام بالقرارات الدولية، وأهمّها 1559 و1701.

2- تشكيل حكومة تنطلق من مبدأ التوازن السياسي وتلتزم بالإجماع العربي ومقرّرات الجامعة العربية.

3- أن لا تلتزم الحكومة بأيّ مواقف سياسية محسوبة على دول أو محاور، وألا تكون خاضعة لموقف طرف سياسي فيها كما حصل في السابق عبر تبنّي سياسة حزب الله الخارجية.

4- إنجاز برنامج الإصلاح الاقتصادي والمالي المفروض من قبل المجتمع الدولي.

5- العمل على ضبط الحدود والمعابر بكل جدّية، ولو اقتضى ذلك مراقبة دولية للمرفأ والمطار والمعابر، كيلا يكون لبنان دولة لها صفة جرمية من خلال تهريب المخدّرات أو الأسلحة إلى الدول الأخرى.

المصدر أساس